الأحد، 22 يونيو، 2014

من مذكرات زوجة مجند





تساقط الريح بين جسدينا مدويًا صهيلاً مخيفًا يوازي رهبة الموقف ككل,تقربت منه بدلالٍ مفتعل لكنه لم يتنح جانبًا ليحتضني! كنت أود أن أسري عنه بجسدي فألقنه درسًا بالإحتواء على طريقتي الأنثوية التى شارفت على ان انساها,أحضرت له بعض القهوة وبعضًا من البسكويت الذى اهدته لنا جارتنا من العيد السابق لتعيرنا بعضًا من فرحتنا المغلفة بالذكريات,كان مذاقه غير محبب مثلنا تماما لكنه ظل يستحق لكونه يذكرنا بايام جميله.

انقت فنجانه بيداي لأكسبه دفئًا إضافيًا من شوقي له الغير قابل للتصريح, قربته من فمى عله يحمل عني بعض من عبيري الذي تعفف هو عنه,ترنح بيده الفنجان فعلى ما يبدو أن شوقي كان زائدًا عن الحد ثم قال بكل هدوء(شكرًا..).

حاولت أن أستحثه على الحديث ولكن تجهمه قتل أوصال أي نقاش فرأيتني بعينيه مجرد ثرثارة تافهة المشاعر وعلى ان اصمت ,كان دومًا ما يهرب بعينيه إلى فضاء أرحب من فضائي حيث الحديقة بطيورها ونسائمها المتتالية,أردت أن أصرخ به من وقتٍ لأخر قائله (ها أنا ذا أحاول أن أجاذبك أطراف الحديث فلتعطيني فرصة لأتكلم معك وربما أتاوه عنك وبذلك قد أناهز قلبك العجوز حزنًا وقد اخفف عنك ولو قليل!)
 لكن صمته كان قاتلا ومهينًا لكل محاولاتى،كانت عيناه ملبده بصور عالقة من زمن مضى يود لو فقد نظره ليفتقدها بالتبعيه ولكن يا للأسف فقد كانت اسرع منه وتخبأت فى ادراج الذاكره وصار من المستحيل التخلص منها ,فكما كانت تقول دوما جدتى (ليس هناك مفر من التذكر ولكن هنالك سبيل دوما للتعايش!) ,-التعايش- كم اود ان يعرف عن هذا الاختيار ليحيل يومنا ليوم قابل للحياه بدلا من الموت!
ربما بالصباح التالى يلهمنى الإله بحيله اخرى! 

............................................

في الصباح التالي ,
قررت أن أتناوب عليه بحيلة أخرى علَّني أنجح,فاجئته في شرفتنا بتجهم يشبهه ونعاس قاتل بعيناي عله يسألني عن سبب هيئتى فأجيبه بأي شيء وهكذا  نبدأ بأي حديث يجمعنا وإن كان تافهًا,فلا زال حديثًا ولا زال يجمعنا وقد قررت حاليا ان اخفف من طموحاتى وارضى  بالقليل حتى أحوز الكثير,لكنه اطاح بكل خططى التافهه ارضا ولم يسالنى من الاساس او حتى يلتفت !

يا ويلته من قلب تائه معتق بالذكريات قاصر عن التذكر!كيف يتناسى وجودى ويغفل كل هذا الكم من المحاولات التى اود ان ابذلها لجعل حياته افضل, لكنى لم افقد كامل صبرى  وسابقته قائلة( غريبة انا اليوم؟),لكنه تناوب اكثر على اطاحتى ارضا واكتفى بهز رأسه إيجابا .
 ربما غدا !
...................................

لا زال يطيل نظره للحديقة!
ما بها أكثر مني لينظر لها ويتركني ها أنا ذا أحارب المجهول بداخله بلا أي سلاح واهيا كان !لعله فقد عني كل أسلحته وأسلحتي بتلك الحرب المفتعله بين حزبين لا يهتمان الا بمصالحهم الشخصيه بينما تركوه يتعايش مع يومياتها بكل بغض! أعلم أن ما مر به ليس بقليل ولكن ما بالنا لنتعايش به لبقية العمر! فلنختزنها ذكرى عفنة بدرج قبيح من ادراج الذاكره ونتناسى يومًا بعد الأخر أين كانت ومتي تركناها.

لا زلت احبه رغم ذلك !لن افقد الامل وساحاول!
لكنى جد ارهقت !




 ........................


فى الصباح تثائبت بتثاقل وطلبت منه تفقد الحديقة وتناول الإفطار بين جنباتها فعلى ما يبدو إنها أنجح مني في السريان عنه! أجاب بالموافقة رافعًا جسده عن الأريكة علي مضض ,فعلى ما يبدو إنه لا يريد أن يتحمل ذنب نكران الجميل لخوصها كما فعل به رؤساء كتيبته الكرام.

وجبة إفطار يوميه رتيبه جمعت بيننا وكلمات كئيبة طالعتها بالجريدة عندما فاجئنى بوقفة مرحة منه والتفاته عتب علي عامل الحديقه قائلاً:
ليس بهذا اللطف نُحيي الأرض بعد أن ماتت!
فلتميت الموت بداخلها فتحييها من جديد !
فلتضربها بقوةٍ أكثر فلست بإمراة عجوز أيها الرجل رومانسي الغضب!

قليل من الوقت قد مر قبل ان ينتفض للمره الثانيه زائحًا كرسيه ,ممسكًا بفأسه ,متناوبًا على قتل موت أرضنا وبعثها من جديد,لعلها طريقته لإستفزاز غضبه الداخلي كي يخرج! لعلها ! 
سارحب باى محاوله ايا ما كانت ما دامت قد تريح جزيئاته التعبة من الترحال داخل الماضي. 
على ما يبدو ان هنالك امل بالفعل !

...........................................................

تتوالى الأيام ووجهه يتفتح يومًا بعد أخر وهكذا أشجار حديقتنا ,فقد تفهم عاملنا الدؤوب رسالة زوجي له وأخذ منواله في قتل الموت والملل المتربع بحديقة منزلنا , يا ليته قادر على قتل حزن القلوب بضربة فأسه الواهي!

ورودٌ حمراء,بيضاء, حتى شجرة البرتقال أذن لها بضحكاته أن تشاركنا الحياة من جديد, جلسنا ومع طبق من البرتقال واليوسفي وضحكة صبورة مني استحثته على الحديث وكسر وتيرة الملل للمرة المليون بعد المليار,
أجاب بهدوء:
أي شوق هذا يحملني إلي الموت!
أي إستيطان لتلك الأحزان يجمعني بذكريات تحكمت بيومي لوقت طويل ثم تثاءبت مخلفاني بجراح دامية!

بدا يفتقد للترتيب فعلى ما يبدو انه فى غفلة من أحزانه باغته الكلام فتحدث,لم أرد أن أقاطعه فهذا مبغاي أن يتكلم ولو غناءً بأي كلمات شعبية!لم يُطل ولكنه أنهى كلماته ببسمة رضا عن كونه لا زال حيًا يرزق وإنه يملك اليوم فأسًا يميت حزنًا ليزرع حياة وليس كما سبق يميت حياة ليزرع بقلوب الكل حزنًا  ..

كان الادرينالين يتقاذف بين خلاياى مخلف وجنتاى موردتان وملامحى مستثاره لمدى سعادتى كونه واخيرا قد تجاوز صمته وتحدث,ابتسمت في هدوء وقبلت جبينه وطلبت منه أن يعدني بأن غدًا سيكون يومًا عبقريًا بصحبتي! 
أومأ برأسه قائلاً (كم أشتاق لحديثنا السابق قبل سفري,سامحيني على أي حال برتقالتي الأقرب إلي قلبي!),هكذا كان يدللني فيما سبق ولذا أهتم بزراعة شجرة للبرتقال بحديقة منزلنا لتذكره بي دوما ويعبر لى بصوره دائمه عن امتنانه لوجودى بمراعتها اليوميه حتى تزهر وتورف اوراقها اكثر واكثر.

 هكذا وجدنى بعد طول غياب لا زلت انتظره انا و برتقالاته المتشبثه بالحياة ,ننتظر ولو لفته منه معينه على الحياه بدلا من الموت لنبعث من جديد متناسيين كل ما كان املين فى غد افضل ,مكتفيين بوجوده .



هناك تعليق واحد:

موقع الجذب يقول...

احسنت جذبتيني بقوة