الأربعاء، 12 أغسطس 2026

حتى إشعار آخر

ليس كل ما نشعر به قابلًا للتسجيل… أو بالأحرى، ليس كل ما نشعر به نرغب في تسجيله. فتسجيل ما نشعر به، كتابةً، أو حتى صياغته في جمل واضحة نُلقي بها على مسامع أصدقائنا، يحوّل ذلك الشعور إلى مجسّم كامل، ينفخ فيه من روحنا، يصبح بملامح ووجود يصعب انكارة، ويضعنا أمام حتمية مواجهته يومًا ما.
مع الوقت يكتسب هذا المجسّم ملامح أكثر وضوحًا وحدةً، مع كل لحظة نقتطعها لمواجهة ذواتنا ومحاوله فهمه أو مجادلته. وبينما لا أضمن مقدار قوتي الحالية، ولا مدى استعدادي في المستقبل لمواجهة أيًّا كان ما صنعتُه بكلماتي، أجدني أفضل الهروب… ثم الهروب..حتى إشعار آخر.
وعدتنى بإشعار آخر من باب الاحتياط وربما الدماثة، لكن حقيقة الأمر، أنني لا أريد أن أواجه أقوالي أو مشاعري تلك في أي وقت لاحق... ليتني أستطيع محوها من ذاكرتي، والأهم… محو أثرها من قلبي...
يقولون إنه لا سبيل إلى محو الواقع، ولا إلى محو أثره.وعليه، ظللت أنظر إلى مجسّمي هذا من بعيد، متاكدة من ترك مسافة آمنة بيني وبينه... لعلنا، يومًا ما، نجد صيغةً ما للحوار.
أتمنى....
.........
ربما لا يكون الهروب هو الحل فعلًا…
ربما كل ما أفعله الآن هو تأجيل مواجهة لا مفر منها.
فأنا أعرف أن هذا الكيان، مهما حاولت أن أبتعد عنه، سيظل واقفًا في مكان ما بداخلي. قد أُشيح بوجهي عنه، وقد أنشغل، وقد أملأ أيامي بالكثير من التفاصيل حتى لا أسمع صوته… لكنه سيظل هناك. ينظر إلى بلا كلل ولا ملل في انتظار ان يرى..
وربما، حين أمتلك يومًا شجاعة النظر إليه، لن أبحث عن إجابة، ولا عن تبرير، ولا حتى عن غفران. ربما سأجلس أمامه فقط… وأستمع لكل غضبه المستحق.
سأستمع إلى الفتاة التي كنتها حين قالت كل ما قالت، وشعرت بكل ما شعرت. لن أحاكمها لأنها ضعفت، ولن ألومها لأنها أحبت، ولن أنكر عنها حقها في أن تخطئ. ربما بعض المشاعر لا تحتاج إلى أن تُمحى… قدر ما تحتاج إلى أن تُفهم كونها نبعت عن بشر يخطىء، وهذا مصيرة المحتوم ان يذنب ويتوب فيتعلم.
وربما بعض الكلمات التي نتمنى لو لم نقلها، لم تكن سوى محاولة يائسة منّا لأن يُسمَع شيء ما في داخلنا، قبل أن نصمت من جديد....
لا أعرف إن كنت سأتصالح يومًا مع كل ما حدث.
ولا أعرف إن كان قلبي قادرًا على محو أثره.
لكنني بدأت أفكر أنني لست مضطرة إلى محوه.
يكفيني، ربما، أن أصل إلى اليوم الذي أستطيع فيه النظر إليه دون أن أخاف منه.
أن أقول له بهدوء: أعرفك…
وأعرف لماذا تركتك هنا، واتقبل هذا ولن احكم عليك...سأحاول ان احبك دوما.. ثم أمضي أخف روحا..

الأربعاء، 29 أبريل 2026

نافذة على ضجيجٍ لا يشبهني

تعلمتُ مؤخرًا أن أجلس وحدي… أرتّب أفكاري، وأأنس بصحبتي، في هدوء. لا أفعل في تلك الجلسات ما يشبهني في عالم الأحياء—حيث الأصدقاء أو الأهل—فقط أجلس… بلا حراك، وبلا ملل.
وبينما أمارس خلوتي بنفسي،قليلا ما أمسك هاتفي. لطالما كانت علاقتي به متوترة؛ أنا شخص يكره الإلحاح، وأراه—بتنبيهاته المتتالية—كصديقةً “زنّانة” مرهقة، أحافظ على علاقتي بها من باب الود، لا الحب.
أمسكه لأتابع عالمًا بعيدًا، مليئًا بالضجيج، بينما أحافظ على دفء أطرافي هنا، من وراء زجاجه.
أتعامل معه كنافذة على الصخب، رغم أنني أحنّ دومًا إلى الهدوء والسكون. أبتعد عنه بوعي… كثيرًا، كأنه يحمل فيروسًا لعينًا قد ينتقل إليّ بمجرد اللمس. لعلّ هذا المرض هو "الحياة المليئة بالادّعاء"، أو—بصياغة أخرى—"الحياة التي يتداولها الآخرون"… حياة لا تشبهني، ولا أرغب في أن أتجانس مع وتيرتها.
أتركه بعيدًا عني على مسافة كافيه حين أأنس بصحبة صديقاتي… أو بنفسي، بينما أُحكم قبضتي عليه حين أهمّ بالهروب— الهروب من موقف، من حياة. أهرب معه إلى اللاشيء… وإلى كل شيء.
اهرب من خلاله الى لحظات عشتها واشعر بالحنين لها، الصور المحفوده به تعزز ذاكرتي المصوّرة، فأرسل من خلالة لصديقتي كلماتٍ هشّة:"وحشتيني… ووحشني نركب العربية ونشغّل أغاني بصوت عالٍ سوا."
ثم اسارع بغلقة وكأنى أغلق معه العالم قليلًا…فأزور تلك اللحظة بكل جمالها وحنوّها. أتمهّل داخلها، كأنني أخشى أن أفزعها إن اقتربت، أعيد ترتيب تفاصيلها في ذاكرتى بمحبة:
ضحكة انفلتت دون حساب، هواء كان أخفّ مما هو عليه الآن، وأغانٍ لم تكن تحتاج إلى كل هذا الحنين كي تُسمع.
أفتح عينيّ من جديد… فلا أجد إلا انعكاسي على شاشةٍ داكنة؛ وجهًا مألوفًا… لا يشبهني تمامًا. أبتسم له بحذر، كمن يطمئن غريبًا، وأترك الهاتف ينزلق قليلًا من بين أصابعي، كأنني أختبر قدرتي على النجاة بدونه.

تمرّ لحظات… قصيرة أو طويلة، لا فرق حين يسود الصمت. أدرك عندها أنني لا أهرب من الضجيج وحدة، بل من تلك النسخة مني..التي تُجيد العيش فيه، تتأقلم معه، وتكاد تصدّق أنه هو الحياة.

أغلق الهاتف هذه المرة… لا كفعل مقاومة، بل كاختيار هادئ.بينما أمنح العالم فرصة أخيرة أن يكون بسيطًا كما كان، قبل أن نتعلّم كيف نبالغ في عرضه، وكيف نصدّق العرض… أكثر من الحقيقة.

الخميس، 23 أبريل 2026

بطلة بلا حوار

أحيانًا كثيرة أشعر أنني أشارك في مشهدٍ سينمائي لمخرجٍ ما... كاليوم، بينما كنت أجلس في مقهى أتصفح كتابًا استعرته من صديقتي؛ أدركت أن استعاراتي له حملتني قلقًا خفيًا من أن أتلف صفحاته بنوبة تركيز،مما قلّل من متعتي به...احاول مؤخرا ان اقلل من امتلاكى لما قد يمتلكنى تباعا..
همسات أم كلثوم تزورني، تؤكد بإصرار أن للصبر حدودًا، بينما أصدق كلماتها بنفاد صبرٍ لا يقلّ إزعاجًا عن الذباب المحيط بي في كل مكان...صبرى بما يخص بالتأكيد قد تجاوز الحدود..
صوت الجموع يشكّل خلفية موسيقية واقعية إلى جانبها، وتطربني خبطات معلقةٍ حديدية بجوانب كوبٍ زجاجي لأحد الجالسين على مقربة مني.
أستمتع بعناصر المشهد، وأحسد المخرج على هذا التكوين البسيط، وأتخيل أن النقّاد لن يجدوا ما يقولونه عنه، بينما أبتسم برضا لكوني جزءًا منه...

أعود من جديد إلى سطور كتابي، بثقة بطلة فيلمٍ تعلم أن ملامحها يجب أن تكون معبّرة، رغم أنه لا حوار لديها لتقوله..فصار لزاما ان تنقلة ملامحها..
لكنني، على عكسها، أملك حوارًا داخليًا لا يهدأ؛ يتسلّل بين الكلمات، ويزاحم المعاني، ويعيد تشكيل المشهد من زاويةٍ لا تراها الكاميرا.
أتساءل، هل يدرك المخرج أن بطلته تفكّر أكثر مما ينبغي؟
أنها لا تكتفي بأن تكون جزءًا من اللقطة، بل تحاول فهمها، تفكيكها، وربما الهروب منها أيضًا؟
أرفع عينيّ قليلًا، أراقب الوجوه من حولي؛ كلٌّ منهم يبدو وكأنه يؤدي دوره بإتقانٍ غريب، بلا بروفات، بلا تعليمات واضحة... ومع ذلك، يسير المشهد بانسجامٍ مدهش.

أبتسم من جديد، لكن هذه المرّة بشيءٍ من الوعي، ربما ليست الفكرة أن نكون ممثلين بارعين، بل أن نصدق لحظتنا إلى الحد الذي لا نحتاج فيه إلى إعادة تصويرها.
أغلق الكتاب بهدوء، كمن ينهي مشهدًا دون تصفيق، وأترك للمقهى، ولأم كلثوم، وللذباب، حقّ الاستمرار بدوني…
فبعض المشاهد، مهما كانت بسيطة، تكتمل فقط حين نغادرها....

الخميس، 8 يناير 2026

الونس الذي لم يكن لي

يبدو أن القصة سوف تستمر في سرد نفسها حتى تنفد الكلمات.

لم يكن اللقاء مخططًا له، ولا مشحونًا بتوقعات كبيرة. جاء كما تأتي الأشياء التي تغيّرنا فعلًا: هادئًا، عاديًا، بلا ادعاء. كان شخصًا لا يشبه من سبقوه، أو هكذا ظنت في البداية. لا يراقبها من بعيد، لا يتابع تفاصيل حياتها، لا يحفظ تواريخها ولا مزاجها المتقلب. ومع ذلك، حين جلس أمامها للمرة الأولى، شعرت أن الصمت بينهما أقل قسوة من المعتاد.

بدأت العلاقة صغيرة. محادثات متقطعة، ضحكات لا تحمل وعودًا، وجلوس طويل بلا حاجة للكلام. كانت تراقب نفسها وهي تسترخي، وهو شعور لم تألفه مع الآخرين. لم تكن مضطرة للشرح أو الدفاع أو التبرير. كان حاضرًا، وهذا وحده بدا كافيًا.
ذلك الحضور سد فجوة مؤلمة، فجوة الونس الذي افتقدته طويلًا ولم تعترف به.

تعلّقت به ببطء، بحذر يشبه الاعتذار. كانت تقول لنفسها إن ما تشعر به ليس حبًا، بل ألفة مؤقتة. ومع ذلك، كانت تنتظر رسائله، وتلاحظ غيابه، وتفرح بتفاصيل صغيرة: كوب قهوة يتأخر لأنه استمع لها، طريق أطول اختاره ليكمل حديثًا لم يرد له أن ينتهي.

لكن الإشارات بدأت تظهر. صغيرة في البداية، كحبات رمل داخل حذاء.
كان لا يرى الأشياء كما تراها. يخفّف مما يوجعها، لا لأنه قاسٍ، بل لأنه لا يفهم العمق. حين تحكي عن خوفها، يقترح حلولًا سريعة. حين تفتح جرحًا قديمًا، يغيّر الموضوع بحسن نية. لم يكن سيئًا، فقط… غير مناسب.

في موقف ما، احتاجته أن يكون حاضرًا أكثر، أن يختارها بوضوح. لم يخذلها، لكنه لم يصل. وقف في المنتصف، ذلك المكان الذي اعتادت أن تُترك فيه.
وفي مرة أخرى، لاحظت أنها تبذل جهدًا لتبسيط نفسها كي لا تبدو “أكثر من اللازم”. كانت تصمت عن أفكارها، تؤجل أسئلتها، وتقلل من عمقها كي لا تربكه. هناك، بالتحديد، فهمت.

جلست ذات مساء تراجع المواقف لا المشاعر. المشاعر كانت جميلة، دافئة، إنسانية. لكنها تعلمت بالطريقة الصعبة أن الجمال لا يكفي.
أدركت أن اختلافه لم يكن ميزة، بل علامة. وأن كونه “غير” لا يعني كونه “الصحيح”.

كانت تظن أن التكرار لعنة، ثم اكتشفت أنه تدريب قاسٍ على الفهم.
العالم، كما خبرته، كريم في إرسال الأشخاص، بخيل في إرسال المعنى. يهبها وجوهًا جديدة، أصواتًا دافئة، أيادي مؤقتة، لكنه يكرر الخطأ ذاته: يؤجل الدرس الذي لا تريد مواجهته. ذلك الدرس الذي يهمس لها كل مرة ثم يعلو صوته: أنتِ وحدكِ كافية.
ربما العالم لم يكن قاسيًا معها ، بل مُصرًّا. يرسل لها أشخاصًا يشبهون الإجابة، لكنهم ليسوها. يضع في طريقها ونسًا مؤقتًا ليكشف لها مدى حاجتها لأن تكون مكتفية بنفسها لا بمن يملأ الفراغ عنها.

لم تتركه بغضب، ولا بعتاب طويل. تركته بفهم.
عرفت أن دوره انتهى عند هذه النقطة: أن يعلّمها أن الونس الحقيقي لا يُستعار، وأن الروح لا تُسكن إلا في ذاتها.

وهكذا، بينما استمرت القصة في سرد نفسها، لم تعد تخاف نفاد الكلمات.
لأنها أخيرًا تعلّمت الدرس الذي كانت تؤجله:
هي وحدها تكفي…
وعليها أن تأتي هذه المرة بروحها فقط.

الثلاثاء، 6 يناير 2026

ثلاث نساء في درج المرآة

«ترى، أيتها السيّدات الثلاث… من منكنّ ستقود اليوم؟»
ذلك هو السؤال الأوحد الذي يبدأ به نهارها.

تجلس كل صباح أمام المرآة، في طقسٍ يشبه العماد النفسي، محاولةً أن تحدّد أيَّ شخصية سترتديها هذا اليوم. فقد صارت حياتها مقسّمة بين ثلاث نساء، لا رابع لهن. عاشرتهن طويلًا، حفظت ملامحهن، وألِفت أصواتهن، ثم رتّبتهن بعناية في درج تسريحتها، كأنهن وجباتٌ مجمّدة، لا يحتجن إلا دقائق لفكّ ثلجهن قبل الاستعمال.

الأولى: امرأة لبقة، محاورة رشيقة، اجتماعية، تهتم بمظهرها لأجل ذاتها أولًا، بوصفه انعكاسًا لثقتها العميقة وتجربتها الطويلة. لكنها تعرف أيضًا كيف تجعل من أناقتها وسحرها وسيلةً لإيصال رسالة واضحة: «أنا لطيفة المعشر، نعم… لكن احذرني، فأنا امرأة قوية تعرف تمامًا لماذا هي هنا».
هي النموذج الذي وصفه الكُتّاب بالمنفتحة Extrovert؛ تمشي فتتفتّح الأزهار في أثر خطواتها. مرحة، متفائلة، تريد أن تحتضن العالم كله بين ذراعيها.

الثانية: النقيض الكامل للأولى. مترددة حتى في أبسط تفاصيلها: أي نبرة صوت تختار؟ أي حجاب ترتدي؟ وأي كلمة يسمح لها بالخروج من فمها؟ عقلها مزدحم بالأسئلة المؤجّلة، وصمتها الطويل يشي بارتباك داخلي اعتادته، حتى صار صمتًا مربكًا… awkward silence.
تختبئ طويلًا خلف نظارتها الشمسية، كأنها درع يمنحها مسافة آمنة لتأمّل هذا العالم الذي يربك نظامها الداخلي. لا تحاول فهمه، ولا إعادة ترتيبه؛ كل ما ترجوه أن يتّسع اليوم لاحتوائها كعابرٍ خفيف، بلا انتباه زائد. تتمنى أن تصير لونًا حياديًا، لا يثير فضول أحد. فمجرّد نظرة قد تفسّرها هشاشتها كاختراق لمساحتها الخاصة، وحينها تتحوّل تلك النظرة إلى شرارة انهيار وبكاء.
هذه الثانية… هي طفلتي الداخلية، التي أصرت أن تبقى عالقة عند عمرها الصغير، رافضةً النضج، متشبثةً بكل جراح الماضي.

الثالثة: مدمنة مغامرة، عاشقة للتجارب الجديدة، مشتعلة بشغف السفر. أراها دائمًا ببدلة زرقاء أنيقة، تمسك سيجارة بلامبالاة، بينما يرتّب عقلها الحاد تفاصيل الرحلة القادمة.
لا يثنيها شيء عن اقتناص الفرص. ترى العالم خريطةً مترامية الأطراف، خُلقت لتلتهمها بخطوات واثقة. حادّة الطباع، لا تقبل ولا ترضى إلا ما ينسجم مع إيقاع كعب حذائها العالي. كل من في محيطها مجرّد خيار: إن رغبت اقتربت، التهمت بلا تردّد، مضغت التجربة حتى تستخلص نكهتها، ثم لفظت الفتات دون ندم.
أراها كأنثى التنّين؛ تحلّق بجناحين عريضين قويين، لا تكترث إلا لسماءٍ رحبة تخصّها وحدها، ولا ترى في الأفق سوى وجهتها التالية.

ترى… أيّ رجلٍ ذلك الذي قد تجمعه الحياة بامرأةٍ بهذا الخليط المبتكر، الفريد، المتناقض؟ سنرى…

في بعض الأيام، لا تختار. تترك المقود فارغًا، وتجلس في المقعد الخلفي، تراقب الثلاث وهنّ يتشاجرن على الاتجاه.
الأولى تريد أن تصل في الموعد، أن تبتسم، أن تُقنع الجميع أن الأمور بخير.
الثانية تسأل بصوت خافت إن كان الوصول ضروريًا أصلًا، وإن كان الطريق آمنًا، وإن كان يحق لها أن تتعب.
أما الثالثة، فتضغط على البنزين فجأة، بلا إنذار، كأن النجاة في السرعة وحدها.

وفي المنتصف… تضيع هي.

تكتشف متأخرة أن المشكلة لم تكن في تعدد النساء، بل في محاولتها الدائمة أن تُخفي إحداهن. أن تترك الثانية في الظل كي لا تُحرج الأولى، أن تُقيّد الثالثة كي لا تُخيف الآخرين.

لكن الكبت لا يصنع توازنًا،
يصنع انفجارًا مؤجّلًا.

في إحدى الليالي، بعد يومٍ قادته الأولى بامتياز، جلست وحدها، خلعت حذاءها الأنيق، وبكت بكاءً لا يليق بسيدة ناجحة. لم تفهم لماذا. إلى أن سمعت صوت الثانية، لأول مرة يهمس: «أنا هنا… ولن أختفي بعد الآن».

وفي صباحٍ آخر، بعد انهيارٍ كامل، وجدت الثالثة تبتسم في المرآة وتقول: «إما أن نعيش بكل ما نحن عليه، أو لا نعيش».

عندها فقط، فهمت. الحياة لن تطلب منها أن تختار واحدة. الحياة ستطلب منها الشجاعة… أن تعترف بهن جميعًا.

الاثنين، 22 ديسمبر 2025

هذا القناع مُعدّ للالتهام

تساءلت، وهي تختلس النظرات بين هاتفها والطريق، إن كان السائق يتحدث إليها أم إلى أحدٍ آخر. ثم قررت ألا تسأله. تركته لخيبة الأمل إن كان يخاطبها بالفعل، وإن كانت هناك سماعة تتدلّى من أذنيه لا تراها… فليكن مؤنسًا بمن يحادثه على الهاتف.
هي لا ترغب في مؤانسة أحد.
هي صامتة، وتودّ أن تظل كذلك.
رنّ هاتفها بمكالمة لا تريد خوضها مع أحدٍ من المقرّبين. للمرة الثانية تحتار بين نداء الواجب ورغبتها العارمة في الصمت.
تجيب، تتحدث ببطء. يطلب منها الطرف الآخر أن ترفع نبرة صوتها، فترد بتهذيبٍ مصطنع أنها تعاني من صداع ولا ترغب في الحديث. يتصنّع التفهّم، بينما تتقبّله هي على أي حال.
الأهم أن تُترك وحيدة هنا، مع موسيقاها الهادئة، ومع الأفكار التي تتناوب على عقلها دون استئذان.
قال لها المعالج النفسي: استسلمي لأفكارك، لا تُسْكِتيها ولا تكبتيها. اصغي لها وحاولي احتواءها. قالها ببساطة، كأنه يطلب منها غسل يديها قبل الطعام وبعده.
طلب منها أن تواجه الوحش… متسلّحة باللا شيء.
ترنّ في أذنها جملة لا تتذكر أين سمعتها:
«ولا صُحبة أحلى من تجلّي الذات ولا حضن أدفى من ونس في النفس".تشعر بالامتنان للكون على ونسة بجملة حانية تربت على ظهرها قليلا....ثم تغوص من جديد في العمق الأزرق القاتم الذى يمتد إلى الما لا نهاية.

تنظر إلى الطريق، وتدرك أنها اقتربت من المنزل.
إذًا، قناع الفتاة المتفهّمة الحنونة على وشك أن يُرتدى.
تتنهد بأسى؛ فهي، بشكلٍ أو بآخر، تسرق لحظاتها مع نفسها.
ثم تتذكر أن الأُنس نعمة… لكنها لا تحتاجه الآن.
الآن لا تريد سوى العزلة، لساعة واحدة فقط، بعدما تحلّت أخيرًا بالشجاعة وقررت أن تنفرد بأفكارها الصاخبة.
في جلسات السيكودراما، أرشدونا إلى أن نعطي لمشاعرنا أشكالًا وألوانًا، وأن هذه الطريقة تُسهّل مصاحبتها ورؤيتها.
لكن مشاعرها غاضبة منها، من طول إهمالها. وتوقن أنه إن حاولت إلباسها أي لون، فستقذفه في وجهها، كطفلة ترفض ارتداء ملابسها، وتصرخ بدلًا من أن تمتّن للون الذي اختارته لها.
يخبرها «جوجل ماب» أن دقائق قليلة وأمتارًا معدودة تفصلها عن وجهتها.
تسحب نفسًا عميقًا، وتتهيأ لارتداء القناع، في مشهد يشبه تحوّل جيم كاري في فيلم The Mask.
تتساءل: ما لون قناعي؟
هل هو أخضر؟ أم ماذا؟
قناعها خامد، مُعلّب، يترك لها حرية الاختيار.
فليكن أرجوانيًا.
أنيقًا، غير صاخب، مُفرحًا، يوحي بالرزانة والجديّة والحنوّ الأمومي المطلوب.

هذا قناع مُعدّ للالتهام.
بالهنا والشفا لمن حولي…
والرحمة لروحي القابعة تحته.

الأحد، 9 نوفمبر 2025

أنينٌ ناعم يسكن العظام

منذ الصغر، كنتُ أتقن إخفاء مشاعري ببراعة. بدا ذلك الحلّ الأمثل كي لا أشعر بالألم، أو هكذا اختار عقلي أن يحميني من مصيدة الحزن. هكذا تخيّل على الأقل.

استنزفتُ خلايا عقلي كلّها في ابتكار أساليب معقّدة لإخفاء ما يؤلمني، حتى لا أراه أنا نفسي، ظننتُ أني إن أنكرته كفايةً، سينفى بعيدًا عني، وسأنساه تباعًا.

لكنّه، كأي شيء يُدفن حيًّا، بدأ ينبض تحت السطح، يظهر في مواضع متفرقة من جسدي، كزومبيّ شرس خرج من القبر لا يريد إلا الانتقام مني. وأول ضحاياه كان قلبي.

لا أعرف كيف أصفه تمامًا، لكنه في مخيلتي يشبه حجرًا من المشاعر السلبية، نُحت بعنايةٍ واختار أن يسكن صدري.
أثقل أنفاسي ولفّني بألمه، حتى اعتدته أنا وجسدي كموسيقى تصويرية حزينة تصاحب مشاهد حياتي.

ومع الوقت، صرت أتعرف بسهولة على من يشبهونني في قدرتهم على الإخفاء. أراهم، أسمع أصواتهم، وأشمّ رائحة مشاعرهم المكبوتةزالتي تتسرّب من كلماتهم رغم محاولاتهم لإخفائها. لكنّ الايجابى كونى بسلاسة أستطيع أن ألتمس لهم العذر.

كنت أتساءل بصمت: متى تحوّل كلّ واحد منهم إلى زومبي مثلي؟ ما اللحظة الفاصلة التي انكسروا فيها؟
لم أسأل أحدًا، لم أحتاج أن أعرف. اكتفيت بأن أكون مأمونة المعشر معهم، أمدّ لهم يدى بالأمان والتفهم حين يحتاجونه،
كما تمنّيت لنفسي دومًا . كل ما أردته هو أن أعيش في أمان حقيقي، يشعرني بأن الوجود لم يعد غريبًا عليّ.

أما أنا، فقصتي بدأت أبكر بكثير من كل هذا. كنت طفلة تضرب الأرض في نوباتٍ غريبة لا أفهمها ولا يفهمها من حولي. غليانٌ في رأسي، واشتعالٌ في جسدي لا سلطان لي عليه. لطالما حاولتُ التخفيف عن نفسي فكنت أمزح مع أصدقائي وأقول:
"أحتاج زارًا يخرج عفاريت عقلي وجسدي،
لعلّي أنام بعده بلا أرق… بلا فزع… بلا خوف من الأمس أو الغد."

وبعد سنواتٍ من التيه، ومحاولاتٍ لربط ما لا يُربط، أدركت الحقيقة التي طالما تهرّبت منها؛ كون كل ألمٍ في جسدي لم يكن سوى صدى لمشاعر خبّأتها بإتقان، حتى وجدت لها مكانًا تسكنه بين أعضائي.

من الخارج، كنت أبدو قوية، الفتاة التي تعرف متى تتماسك ومتى تتخذ القرار الصحيح. لكن في الداخل، كنتُ كلّما أسكتُّ مشاعري بالعقل، فما كان منها الا ان تنتقل تلك المشاعر بهدوءٍ بيروقراطيّ إلى جزءٍ آخر من جسدي، تسكنه وتشعل فيه الحرائق.
فيزداد الألم ألمًا.

قالت الأخصائية النفسية إنني أعيش صراعًا خفيًا بين تماسكٍ ظاهريّ وانهيارٍ صامت. ولأن الجسد لا يسكت عن الإهانة، صارت تزورني نوبات الهلع، وتتقافز في ليلي أفكارٌ مظلمة تسكن أحلامي فلا احظى بسويعات قليلة من نوم عميق.

كثيرًا ما أشعر أنني زومبي بالفعل. أتحرك، أعمل، أضحك، وأؤدي كل شيء كما يجب، لكن لا شيء يصل إليّ من الداخل. لا دفء، لا شعور، لا حياة.
أريد أن أصرخ، أن أبكي، أن أتخلّى عن لقب "القوية" ولو ليومٍ واحد.

أتذكر مشهدًا من مسلسل Friends، حين لم يستطع "تشاندلر" البكاء، وفي النهاية انهار باكيًا على كل ما لم يسمح لنفسه أن يشعر به من قبل. أريد أن أصل إلى تلك اللحظة —أن أبكي حتى أشفى تماماً ـ .

أدعو الله كل يوم أن يمنحني السلام الداخلي، أن يخرج هذه المشاعر العالقة من جسدي، كي أعود أنا… كما كنت، أو كما أريد أن أكون.

لطالما بدأت رحلات علاجي على مضض، دون رغبةٍ حقيقية أو أملٍ معلّق. ففي أول جلسة علاج طبيعي، سألتني الطبيبة: "قيّمي الألم بالأرقام، ومتى يزداد؟". حدّقت فيها عاجزة. لا أملك رقمًا، ولا أتذكر آخر مرة لم أشعر فيها بألمٍ في ظهري أو في لوح كتفي الأيمن. كأن الألم جزءًا من وجودي.

ومع تكرار الجلسات، وجدتني أبكي ذات يومٍ دون سببٍ واضح.
ظنت الطبيبة أنني أتألم أكثر، لكنّي قلت لها دون تفكير: "دي أول مرة من زمان مش حاسة بالألم…هذا غريب."

وكما في العلاج الجسدي، تسألني معالجتي النفسية في نهاية كل جلسة: "إيه أخبار الحجر اللي جوه القلب؟"
وأجيبها دائمًا: "لسه موجود… متشعب ومتأصل كأنه جزء مني."
كانت جلساتنا تشبه عوامل التعرية، تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ كي تنحت حجرة احزانى وتقلّص حجمها. لطالما تمنّيت لو كانت ديناميتًا ينفجر في لحظة فيخلّصني منه للأبد.

لكنّي أحيانًا أشك أنني لم أريده أن يرحل. ربما لأن رحيله سيترك فراغًا لا أعرف كيف أملؤه، فراغًا أخاف أن يبتلعني.

ربما هناك عملية لإزالة الألم، لكنّي أعلم أن الجرح أعمق من أن يُستأصل بمشرط. إنه جرح الروح. وأنا ما زلت أتعلم كيف أضع عليه يدي بلطف،وأقول له أخيرًا:
"أنا أراك… ولم أعد أخافك.
هل يمكن أن نصبح أصدقاء؟
سامحني على طول مدة التجاهل،
وعلى كل استغاثةٍ لم أُجبها في الوقت المناسب..ساحبك وساتفهمك..فقط كن رحيماً بي."

الاثنين، 20 أكتوبر 2025

كثيرة… كما خلقتني الحياة

أعلم أنني كثيرة.
كثيرةُ الأفكار، كثيرةُ الأحلام،
وكثيرةُ الأوهام أيضًا.

أتخبّط حينًا، وأتفلسف حينًا آخر،
ثم أنهض من بين فوضاي كمن وُلد لتوّه —
مؤمنةً بأن السقوط ليس نهاية الإيقاع،
بل جزءٌ منه.

عرفتني منذ الأزل،
ومللتُ محاولة شرح ما هو واضح.
فما عدتُ أبرّر اختلافاتي، ولا أستجدي فهمًا ناقصًا.
وعدتنى كذلك أن لا أعتذر عن امتلائي.

أنا لست ضبابًا يحتاج إلى ترتيب،
بل عاصفة من نورٍ تبحث عن شكلها الخاص.

كوني كثيرة ليس خطأً،
بل دليلاً على أن فيَّ اتساعًا للحياة.

ويظلّ القرار — كما هو دائمًا — لمن يقترب:
إمّا أن يختار الغوص في هذا الزخم المدهش
ويتعلّم لغتها،
أو يتمسّك بحدوده الآمنة متمثلة بنزوات مرتّبة بعناية،
كما يفعل من يهوى النظام الزائد
والوضوح المبالغ فيه،
ظنًّا منه أن الترتيب يمنح الطمأنينة،
بينما هو في الحقيقة يخنق المعنى.

أنا لا أقارن،
ولا أطلب أن يُقارَن بي أحد.
كلّ ما أريده أن يُترك التفاعل يجري كما خُلِق:
طبيعيًّا، صادقًا، حرًّا.

فلا تحاول أن تُقوِّم مساره،
ولا أن تُهذّب ما ليس بحاجة إلى تهذيب.
إن فعلت، ستُتعب نفسك، وتُتعب طاقة الحياة بداخلى.

أنا لا أطلب فهمًا كاملاً،
ولا احتواءً يُحيلني إلى نسخةٍ مصقولة من نفسي.

كلّ ما أرجوه أن يُسمح لي أن أكون — كما أنا —
امرأةً كثيرة، حقيقية،
تؤمن أن في الفوضى جمالًا،
وفي الغموض حكمة،
وفي الكثرة... حياة.

الأحد، 5 أكتوبر 2025

غرفتان… وحياة ونصف


عشتُ في غرفتين للنوم طوال حياتي. واحدة احتضنتني ثلاثين عامًا، كانت موطناً لطفولتي وصباي وشهادتي الأولى على ذاتي، والأخرى تقاسمتني منذ سنوات قليلة... لكنها لم تألفني بعد.

غرفتي الحالية لم تكن اختياري الأول، كمعضلة الحب الاول، وهى ليست كذلك! بل كانت نتاج ما يُعرف بـ "أحسن الوحشين". حين خططنا للنقل صممتها بعناية، رسمتها بروحي، وسلّمت تفاصيلها لنجّار خان الحلم والأمانة، فوعد ولم يُوف، واحترف الكذب والنصب لأول مرة على حسابي. ولضيق الوقت، ولأسباب أخرى، اضطررتُ لاختيار ما هو جاهز، لا ما يُشبهني.
ومنذ لحظة دخولها، شعرت أنني في موعدٍ مُدبّر، تقاسمتُ معها ابتسامات خجلى، ومراوغات صامتة. لا خلافات بيننا، لكن لا أحاديث دافئة أيضاً. مساحة صافية، حيادية، كأنني بنيتها لأحتمي بها من الذكرى، لا لأصنع معها واحدة.

أما غرفتي الأولى، فقد كانت أنا. مليئة بي. مرّت بتحولات كثيرة، كنت أنا فيها المهندسة، والمُصمّمة، والمُرتبكة.
عرفتها كما يعرف القلب خفقاته، وتعلّمت أن أستحضر تفاصيلها بدقة لتمرين أوصتني به طبيبتي النفسية حين داهمتني نوبات الهلع: "اختاري خمسة أشياء حولك، ركّزي بها، لاحظيها بعينيك، بيديك، بأنفاسك." وهكذا، دون إصرار منى صارت غرفتي الأولى مرآتي... ومأمني.

شباك صغير يطل على منور، كانت الشمس تتسلل من خلاله كأنها تعرف طريقها إليّ. ذات يوم، في لحظة انتصار داخلي وتمرد، استبدلتُ ستارتها القديمة بستارة شيفون برتقالية. كانت تموّج الضوء كل صباح في عينيّ كأنها تحييّني برقصاتها المنتعشة.

بجانب السرير، كرسيّان عريضان، انفصلا عن كنبة تسكن غرفة أمي، بينما قررت ان يسكنا غرفتي دون اعتراض. لم يُظهر أيٌّ منهما حنينًا لقطيعه الأصلي، بل احتضناني، بتفهّم غريب.
كنت أكوّم علي أحدهما ثيابي المتأخرة عن الترتيب، لكنه ظلّ صبورًا، لا يتذمّر، كأننا اتفقنا منذ البداية على توزيع الأدوار بالتراضى.

سريري الأول لم يُشترَ من أجلي، بل كان سرير زواج والديّ، وقد قُصَّ ليُناسب غرفتي الصغيرة، سرير يخصنى بعرض 110 سم صار عالمي الخاص. كنت في بداية المراهقة، واعتبرته وسامًا صامتًا من أهلي: "أنتِ الآن أنثى، وهذا لكِ وحدك."

كان له ظهرٌ من أعمدة خشبية متراصة، تشبه برامق الشرفات. كانت أمي تكرهها، تراها شبيهة بشباك سجن. أما أنا، فكنت أراها شبيهة بسيدات مكتنزات واثقات، فخورات بأجسادهن. أحببته لأنه يشبهني، أو ربما أحببته لأنه ظهر بلمحة سريعة في مسلسل "أرابيسك" اول هعدى بحب الخشب وتفاصيلة، وعلية عشقته ككنز اثرى يسكن غرفتى.

لكن، ككل ما هو جميل... تداعى.

كبرتُ، تضخّمت وتكاثرت تفاصيل أشيائي، وتطلبت دولابًا مستقلاً. فما كان من أمي، بحسها العملي وحنكتها إلا ان تبدع في رسم لوحتها المعمارية الاقرب لقلبي، مباشرة في الجدار المقابل للشباك:
دولابٌ يلتصق به ثلاثة رفوف كتب بطول الحائط، وتحتها، يرقد سريري الجديد بسلام، يرقد في ظلّ المكتبة التي حلمت بها طويلًا. 
في مكتبتى ، رتبتُ هدايا أعيادي، وكتبًا اقتنيتُها من مصروفى من فاعليات "القراءة للجميع"،فصارت مكتظه بلحظات سعيده وانتصارات تخصنى.

في مقابلة السرير، تحت الشباك ولكن ليس مباشرة ، تمركزت ترابيزة بنية دائرية، بدأت رحلتها مع المنزل منذ زواج أمي وأبي، لكنها لم تُستخدم أبدًا في تناول الطعام. كانت كمن وُلد لغرض آخر لم يُكتب له أن يُمارَس، لكنها وجدت وظيفتها الحقيقية معي… صارت صديقتي في المذاكرة، طاولة لحروفي وأحلامي.

أسفل الشباك مباشرة، ترابيزة مستطيلة بمفرش بلاستيكى من المربعات الصغيرة، دوما ما سكنتها كتب دراساتي. كانت ركني السام، لأنها تجمّع الغبار، وأنا مصابة بحساسية منه. كنت أتعامل معها كما يتعامل الجراح مع المريض الصعب، بقفازات، بحذر، بغسيل مبالغ ليداى فور معانقتها. وكأننى أستعيد ملكيتي لنفسي.

لم أكن كصديقاتي المراهقات أعلّق صور الممثلين والمغنين، لم أُحب أحدًا منهم كفاية لأستضيفه على جداري. لكنني ذات يوم، بعد تأمّلات كثيرة، قررت أن أعلّق صورة "لوريل وهاردي"، تلك الصورة التي سكنت شقة "جوي وتشاندلر" بطلا مسلسلى المفضل "Friends". طبعتها على فينيل متين، وعلقتها بفخر فوق سريرى… كان قرارى بما يخصها واضحا، فهى رفيقة ثابتة.
على عكس الصور الأخرى، اللائى علقتهم على السطح الجانبى من الدولاب، كانت لفنانات أحببت أنوثتهن: سامية جمال، هند رستم، مارلين مونرو… طبعتهن على ورق عادي. كأنني أعلم في داخلي أن رأيي بهن قد يتبدّل، عكس لوريل وهاردي، رفاقي الأبديين في التهكم والدفء.

في تلك الغرفة، بكيتُ وضحكتُ، حلمتُ وانهرت.
ومن تحت شباكها، خضت أول مكالماتي العاطفية، كنتُ أحدّق في القمر وأرتب كلماتي، في محاولة لأبدو أكبر مما أنا عليه… أو أصغر مما أتظاهر.

كل تفصيلة في تلك الغرفة كانت تُشبهني، وكل زاوية حملت توقيعي الداخلي. وحين خرجت منها، أيقنت أن بعض الغرف لا تُفارقنا، بل تسكن داخلنا. نلوذ بها حين تضيق الأرض، ونستعيدها حين تضيع ملامحنا.

الأحد، 14 سبتمبر 2025

السيناريو الأسوأ

أفكارٌ هدّامة تتناوب على رأسي بلا هوادة. لم يَعُد ذهني يكتفي بتوقّع أسوأ السيناريوهات كما كان يفعل من قبل، بل تطوّر – أو بالأحرى تدهور – حتى صار يبتكر طرقًا لتحويل كل موقفٍ حاضر إلى ما هو أتعس وأشد قسوة.
كأن عقلي تحوّل إلى مهندسٍ بارع في الخراب، يتطوّع باقتراح الشرور وصياغة الحِيَل، يمدّني بسبلٍ دقيقة تجعل الأسوأ أكثر سوادًا، وكأن في داخلي من يتلذّذ بتعميق الجُرح وإحكام فوضاه.

أحاول أن أقاوم هذا الانحدار، أُحاور نفسي كما لو كنت أواجه خصمًا ماكرًا يعرف كل نقاط ضعفي. أذكّرها بأن الشر فكرة، وأن الفكرة يمكن أن تتبدّد إذا لم أتعلّق بها. لكنّ الأصوات تهمس بإغواءٍ خفيّ: وماذا لو جرّبت؟ ماذا لو دفعت الأمور قليلًا نحو الحافة؟

أدرك أنّها ليست رغبة حقيقية في الخراب، بل عطشٌ مموَّه للسيطرة؛ كأنني أريد أن أسبق القدر فأُفسد المشهد بيدي، لأثبت أنّ النهايات السوداء من صُنع إرادتي لا من قسوة العالم.

أتنفس ببطء، أُمسك بالقلم، أكتب كل ما يخطر، لعل الحروف تحوّل العاصفة إلى سطورٍ قابلة للاحتواء. وفي لحظاتٍ نادرة، أشعر أنّ الضوء الخافت الذي يتسرّب من نافذة صغيرة في قلبي ما زال قادرًا على فضح هذا الظلام… يذكّرني أن الخراب، مهما بدا آسرًا، ليس سوى عابرٍ إذا لم أفتح له الباب.

الأربعاء، 10 سبتمبر 2025

نافذة

غرفتي ذات نافذتين تطلّان على منورين منفصلين من بيت جدّي، ذاك البيت العتيق المليء بالمناور. بعد أول دروسي في العمارة ناقشت والدي عن سرّ ولع جدّي بتكرارها، فأوضح لي أنّ للمنور شأنًا كبيرًا في زمنٍ مضى؛ فهو ساحة النساء للنوادر والحكايات، ولغسل الثياب ثم نشرها. ولهذا حرص جدّي، القاطن في الطابق الأرضي، أن يقتطع لنفسه أوسع المساحات من المناور، تاركًا أبناءه في الطوابق العليا يختنقون بشقق صغيرة لا ترى غير مربّعات ضيّقة من السماء.

نافذتي الأولى كانت بابًا للظلمات؛ منها يتسرّب إليّ صرير الفئران وهي تتسلق الجدران، فتترك في جسدي قشعريرة لا تهدأ. وأما الثانية، فكانت بوابتي إلى اللانهاية وما بعدها. تقع في ضلع قصير لمنور مستطيل يمتد طويلًا، فيمنحني زاوية بانورامية تنتهي بسماء واسعة، تتناثر فوقها غيوم خفيفة وزغب حمامٍ صغير يمرح فوق أسطح الجيران.

أول رسائلي الغرامية لا تزال تسكن أرضية ذلك المنور؛ ألقيتها من النافذة متمنية أن يحملها الهواء إلى محبوبي الخرافي، عابرًا المسافات والحواجز وحتى الزمن. كنت أصلّي أن تقع بين يديه في اللحظة المناسبة، وأن أعرف يقينًا حين القاه كونها اللحظة الموعودة. هكذا صادقت نافذتي ذات الستائر البرتقالية، المتطايرة بغنوجة مدللة، تبعث في الغرفة روحًا مرحة لا تزال تهيمن على ذاكرتي حتى اليوم.

وعند حافة تلك النافذة نفسها، كنت أمتلك ما لم يمتلكه جدّي ولا أبي؛ لقد حازا الأرض والمناور، أما أنا فامتلكت السماء. أجلس طويلًا أُناجي الله، أترقّب شهابًا عابرًا يوثّق أن دعائي قد وصل، ويؤكد أن السماء، رغم ضيق المنافذ، أوسع من كل الجدران.


الاثنين، 8 سبتمبر 2025

كيف حالك؟

تعلمت أن أحافظ على صدقي في جوهر ردودي، لكنني أتقنت أيضًا فنّ انتقاء المساحيق اللغوية والوجدانية، أضعها بمهارة على ملامح كلماتي، كلٌّ بحسب السائل عن أحوالي. هكذا أظل صادقة، لكن في ثوب من حذرٍ وشاعرية تتناسب مع تجربتى....

سبتمبر - ٢٠٢٥

الجمعة، 29 أغسطس 2025

حلم..

كان الليل ساكنًا بسكونٍ خادع، حتى انفجر فجأة بنباحٍ هائج؛ كلابٌ جائعة تعوي وتندفع خلفي، بينما قدماي مثبّتتان في الأرض كأن غراءً غامضًا قيدهما إلى العجز. لم أكن أرى المشهد بعيني وحدهما، بل بعين طائرٍ محلّق، كأنني ارتفعت فوق الحدث أراقبه من علٍ، وأنقله في بثّ حيّ إلى وكالات الأنباء. تتقافز في ذهني عناوين صاخبة: "فتاة في ورطة!"، "صراع البقاء يبتلع المدينة!". أيّ جنونٍ يجعلني أصف المأساة كصحفية، بينما أنا الفريسة؟

صوت الكلاب يقترب. أنفاسي تتلاحق حتى تصمّ أذنيّ، وقلبي يدقّ كطبلٍ مجنون، يحبسني داخل اللحظة أكثر وأكثر. أضرب قدمي بيدي لأتأكد أنها لم تُشل تمامًا. الزمن يتباطأ في جسدي، بينما العالم من حولي يركض مسرعًا بيأس. ألتفت بين الفينة والأخرى، أعدّ المسافة بيني وبين أنيابهم، وكل التفاتة تزيد شعوري بالعجز.

حين بدأ اليأس يغمرني، لمعت في رأسي فكرة وحيدة: أن أركض نحو الخطر ذاته. اندفعت فى اتجاههم، فاكتسبت أمتارًا من الجنزير الثقيل الذي كبّلني. قبضت عليه بكل ما تبقّى لي من شجاعة، لففته حول يديّ كأنني -إنديانا جونز- يستعد لمبارزةٍ لا مفر منها. روحي ترتجف، لكن جسدي يتقمّص إصرارًا مخادعًا. الكلاب تقترب… تقترب… وأنا أترقّب اللحظة الفاصلة للمواجهة بينما أتأكد من قبضتى على الجنزير.

 صحوت. العرق يغمر وسادتي، وعطش قاسٍ يعصر حلقي. جلست أحدّق في السقف، أتحسس السرير من تحتي كأنني أحتاج أن أتيقّن من حقيقته. ثم انخرطت في بكاء طويل لا يهدأ؛ بكاءٍ لم يكن من الخوف وحده، بل من إدراكٍ قاسٍ أن الكلاب لم تكن في الحلم فقط.

الاثنين، 18 أغسطس 2025

رسائل الرحمة المؤجَّلة"رسالة رقم ٢"


عزيزتي،

بدأت رسالتي السابقة بـ "حبيبتي"، لكني وجدت أن "عزيزتي" أقرب لما أقصده. ربما هو جنون الريبة والخوف من أحكام الآخرين من يتحدث الآن من خلالى، لكن فلتكن "عزيزتي" منذ اليوم.

علمت البارحة أني مصابة بإحدى متحورات كورونا الجديدة، يدعى دلتا. للاسم في حد ذاته وقع جميل، لكنه يتناقض تمامًا مع ما يفعله داخلي بينما يسعى في جسدي فسادًا مدمرا خلاياي المرهقة. أخبرتني الطبيبة الخبر بوجه هادئ، فيما واجهتها أنا بملامح جامدة، كأنني لا ابالى. والحقيقة أني كنت أصرخ من الداخل: "كفااااية!"، لا لأن بيدها صافرة النهاية وتستطيع، بل لأنني أردت أن أفرغ تلك الطاقة المكبوتة والغضب المتراكم.

لم أفعل. فما ذنبها؟ تركتها، وأنا أغرق في شعور بالرثاء لحالي. معدتي منهكة من كثرة الأدوية، جسدي يتهالك تحت أيادٍ متعددة: غضب ديسكات ظهري ورقبتى، عصبية قولونى -البراوى-، صداع عقلى النصفي الذى لا يهدأ… وها هو القوس يزاح ليضم بين حوافه "المتحور الكيوت المسمى دلتا".

أتعلمين؟ أنا أغضب حين يهاجمني المرض. أغضب وأفقد ثقتي بقدرات جسدي، كأن علاقتي به – وهي في الأصل حساسة ومعقدة – تجد في كل علة جديدة سببًا إضافيًا للتمزق.
لا اريد ان اتمزق، اخاف ان اتمزق والأكثر من موعد التمزق، من تجربتى فدوما ما كان التوقيت غير مناسب إطلاقا.

أطلتُ في رثائي لذاتى، ولا أريد لرسالتي أن تنقل إليك طاقة سلبية. الحقيقة أنني سعيدة… أو على الأقل أحاول أن أبدو كذلك. وكعادتي أقول: fake it till you make it. أجل، لا زالت تلك هي تميمتي للايام.

اليوم فعلت شيئًا مختلفًا؛ أيقظت المخبر شارلوك هولمز الكامن داخلي، وتتّبعت الخيط حتى النهاية. كنت قد نسيت نشوة هذا الانتصار؛ نشوة أن يستيقظ ذلك المحقق الشبق بالتحليل ثم التحليل. فلم ينجح أي شيء مؤخرًا في إثارة حفيظتي لأفكر، ملل متوقَّع، فأنت تعلمين أنني مدمنة على توقّع أسوأ السيناريوهات، والعالم لا يبخل علينا بالأسوأ أبدًا. لكن الجميل حقًا أنّي شعرت وكأن عقلي قرر أن ينتصر حيث خانني جسدي. الحمد لله.

لكِ كل الحب،
أنا.


السبت، 16 أغسطس 2025

رسائل الرحمة المؤجَّلة"رسالة رقم١"


حبيبتي،

وحشتيني فعلًا، وقلبي يتوق أن أراكِ. لكنني لست في أحسن حالاتي هذه الأيام، وأخشى أن لا أكون الشخص الذي اعتدتِ أن تلتقيه. وهذا، في الحقيقة، هو التحدي الذي أضعه بين يديك: أن تفهمي أنني، وسط ضحكة عابرة، قد أبكي. وأن ورقة صغيرة ممزقة قد تستدر دموعي بلا سبب ظاهر. وأنني قد أسرح بعيدًا بينما أجلس أمامك، ليس هروبًا منك، بل لأنني غارقة في شيء ما داخلي.


ولهذا لم أقابل أحدًا منذ مدة، ليس لأنكم لم تعودوا تملأونني بالشوق، بل لسببين أعرفهما جيدًا:

الأول، أنني عوّدتكم على نسخة من نفسي لم أعد قادرة على تمثيلها الآن. وهي حقكم، أعلم، لكنني عاجزة عنها.

والثاني، أنني قررت – كما قال أحمد زكي يومًا – اوعى تلف بجرحك تشحت-. لست أريد عزاءً ولا حلولًا، أريد فقط أن أُمهل نفسي بعض الوقت، أن أتعامل معها برحمة لا أكثر.


هذه معادلة صعبة، أعلم، وربما لا تُفهم بسهولة. لذلك اخترت أن أكون وحدي، رحمةً بي وبالآخرين، فكل واحد فينا مُثقل بما يكفيه.


إن وجدتِ كلماتي واضحة لا تحتاج إلى أسئلة جديدة، فأخبِريني. أمّا إذا أردتِ أن تسأليني أكثر، فلن أستطيع أن أجيب، فداخل رأسي ما يكفيني من الأسئلة المؤجلة التي أحاول الرد عليها بصعوبة.


إن كنتِ مستعدة لكل هذا، قولي لي... وساعتها فقط سأخبرك متى يمكننا أن نلتقي.


لكِ كل الحب،

أنا.

الثلاثاء، 2 يوليو 2024

اخى محمد وطاقة الموت!

اخبرتنى طبيبتى النفسيه ان ميولى الانتحارية ورغبتى المتكررة في الاختفاء والفناء، ما هى الا death energy ورثتها جيناتى لكونى الطفله التى لحقت بطفل قد توفى، فتتبقي هذة الطاقه بجسدى، طاقه موت وفناء غير مبررة تشدنى لحلقة مصارعة معروف مسبقا من الفائز بها ،مع عدوى الأكبر (الاكتئاب) .حزنت لحالى بالتأكيد فهذا التعريف لم اسمع به من قبل، ولكنى سعدت انى حملت بداخلى بعضا من اخى الذى لم اراه ولم تراه والدتى ايضا....اسموة محمد لتوثيق اوراق وفاته لا اكثر، فلم يريدوا تسميته بالاسم المتفق عليه...
كان لي يوما اخ أكبر، لولا وفاته لولدت بعد سنوات عده ، ولكنت اصغر الان مما انا عليه، ومن المؤكد ان اخى الصغير سامح الذي اعشق تجربتى معه لم يكن لتفكر به امى المتمسكه بكتيبات تنظيم الأسرة ...لعل موته أعطانا نحن الحياه، حتى وان خلف ورائه القليل من طاقه الموت كبصمه منه لنتذكرة...
اخى محمد ، برغم هذا الحزن الدفين بقلبى والذى ارقنى دوما....انا احبك وساتذكرك كثيرا لتحيا بالذكرى ❤️

!افكار نص الليل


في مواقف بتحصل في الحياة كنت بحس فيها ان ده لازم يبقي مشهد النهايه ويلا نموت دلوقتي! احتمال عشان بيبقي موقف سينيمائي بزياده بقدر غريب عن روتينيه حياتنا ! في نهايات كنت فيها بطلة قويه, واوقات صديقه وفيه,واحيانا مصدومة ومختل توازني..


بس مع الوقت بقينا نمل من النهايات المحفوظه والسينمائيه اياها, لاننا بقينا نحس انها مفيهاش احترام لعقل المشاهد!حتي وان كانت نهايات سعيده!


بشكل ما او اخر ,انا سعيده حاليا ان حياتي ما انتهتش مع اي من لحظات الذروه السابقه ،كنت هحبط اوي اوي مني ان اخرتها طلعت فيلم للسبكي 😇😇

الخميس، 7 ديسمبر 2023

اشبه موسيقى الجاز اكثر..

كان الامس يوماً حزيناً ، لم تستطع حلولى العقليه او تمنياتى الروحيه جعل الامر افضل او اخف..انزويت وبكيت طويلا بلا هدف ودون أمل..استسلمت في سريري بلا خطط لغد أفضل ولكن حاربت نفسي وبثقل تمتمت دعاء ما قبل النوم، متمنيه ان يزيح الله ثقل قلبي وينير عتمة روحى، فهو الاوحد القادر على ذلك واتمنى بصدق ان لا ينسانى! 

استيقظت بثقل اكبر بينما الام جسدى لا زالت كما هى بكل اسف تتشبث بمساحاتها المحتلة من جسدى..اخبرتنى المعالجه ان معظم ما اشكو منه ما هى إلا أعراض نفسجسمانيه، وهى أن يتعلل الجسد انعكاساً لتعلل الروح بالاكتئاب او القلق لوقت طويل..

لا اتذكر متى كنت بحاله جيده تماما حقا، عاده ما اجيب من يسألني عن حالى بالحمد! ولكن الحقيقه ان هنالك دوما ما يستحق ذكرة جسديا كان او نفسيا، ليس تناسيا لباقى النعم وتذكر للسىء ! ولكن دوما ما كان حضور هذا السىء طاغى وملح، كصداع يعوى بخلايا عقلى ليومين متواصلين ،او كألم ظهرى الذى يحول ابسط الحركات الى جحيم محدق !او كفقدانى لرغبة البقاء وتخيلى لمشهد النهاية بين لحظه وأخرى تليها..ليس كرهاً للحياة ولكن أملا في الراحه ..لكن عادة لا اجدها فرصه مواتيه لذكر كل هذا فاكتفى بالابتسام والحمد.. 

اعتقد انى احب السفر لانه يشعرنى بالتحرر والحرية التى اشتاق لها..تكبلنى المسئوليات، فاكبل نفسي بالمخاوف والقلق والتوتر لمحاولاتى فعل الافضل بشأن هذة المسئوليات ! فياتى السفر كحل سحرى لتحويل عقلى بعيدا عن دائرة القلق تلك، بينما اندمج مع جمال اكبر واحق للالتفات من مهام لا بد من إنجازها.. 

اتمنى بصدق ان اصير طائرا بحياتى القادمة ،وليكن طائرا يطير لمسافات طويله دون كلل او حنين لارض يسكنها ليرتاح، حينها سيتاح لى التحليق فوق بحور ومحيطات لا متناهيه. اظننى لن امل يوما من رؤية هذا اللون الازرق، ولكن ربما اعقد حلمى ومطلبى قليلا متمنيه ان اصير طائرا يمكنه الطيران بالقطبان الجليديان، حيث اتمنى بحق فقط الحملقه بالشفق القطبى-أورورا- ولينتهى العالم بعد ذلك ببطء وروية اذا أراد! فلينتهى على رتم دقات قلبى الهادئه بعد توتر وقلق طويل، قلق افقدها رتمها الراقص الهادىء كموسيقى -الجاز- التى احب، وتركنى لليال طوال مع موسيقى -تكنو- لا تشبهنى على الإطلاق واجهل تماماً خطواتها الراقصه، فتركت وحيدة على حلبة رقص موسيقى لا تشبهنى ولا أود الإنتماء لها..

الخميس، 23 نوفمبر 2023

بوح

لا اعلم السر والسحر الذى يكمن في البوح..هذة الراحة التى تعتلى وجهى بمجرد الإفصاح عن إحدى أسرارى الدفينة لأحد المارة ،او للشاب المرهق الذى اعد لى فنجان القهوة على الرماله عوضا عن القهوة المميكنه، فقط بعد ان صارحته بصداعى النصفى المتشبث بعقلى!

 ربما صارحته كنوع من المكافأه على تقديرة لموقفى! ربما مجرد إمتنان مبالغ منى بينما قدم دعم بسيط قي توقيت حرج، فأردت ان اهدية قصاصة من ذاتى! 

لا اعلم حقا فيما قد يستخدم قصاصة تفاصيلى تلك... لكن ربما ستؤنس جلساته مع الاصدقاء قصة ظهوري في يومة ،كإمرأه مميزة ولكن مرهقه إختارات بوعى كامل كوبا من القهوة عوضا عن الإنخراط في نوبة بكاء طويلة، لعلمها ان البكاء لا يفيد بينما القهوة تفيد.ثم استطردت لنصف ساعة تشرح نظريتها عن فائدة القهوة وعدم فائدة البكاء الذى سيزيد من صداعها فقط..

#بوح
٢٣-١١-٢٠٢١

الخميس، 7 سبتمبر 2023

فرانك سيناترا يعلم افضل!

If you go away
On this summer day
Then you might as well
Take the sun away

كانت المرات الاولى والثانية، وللعجب الاخيرة لفراقنا في الصيف! لم اعلم ان كان هذا مقصودا من القدر..ان يزيد حنق الصيف بحنق فقدانك ام ماذا! وبالطبع لم تكن لديك القدرات السحرية الكافية لتأخذ الشمس معك كما يطالب فرانك سيناترا!
هكذا دوما ما كان ينتهى الموقف بي، انظر للشمس بعيون تكحلها الدموع اتسائل، لماذا!

All the birds that flew In the summer sky
When our love was new
And our hearts were high
And the day was young
And the night was long
And the moon stood still
For the night bird's song

كانت لنا أياما! او بالاصح أمسيات! لقاءات المترو العابرة تشهد، حينما كنت تصتحبنى مثقلة الكاهل بعد يوم عمل  طويل، طويل بما لا يكفى ان القاك لقاء يستحق، فكنا نرضى 
بربع حل! فلم نكن محظوظين لنمتلك انصافها حينها! 

  احتراما لضيق وقتى وقبل ان تطالبنى امى برسائلها
 الموترة بوجوب سرعة العودة للمنزل! كنت حينها كفقرة الفسحة المدرسيه بيوم مدرسى طويل وعصيب، فسحة قصيرة تكفى لتناول سندوتش جبن وكيس شيبسى لا يشبع ولكن يحفز الروح على المواصله!

انا اتذكر !وانت لن تتذكر كعادتك! ولكن كانت للمسات يدانا الغير مرتبة من قبلنا، ولكن ربما مرتبة من قبل القدر، او بقرار واعى من سائق المترو نفسة! نتدافع فنتقارب.. نرتطم فنبتسم! وقد كان هذا كافي لتطاير العصافير فرحا على اغنيات تخصنا! كانت في المعظم لزياد رحبانى! 

But if you stay!!
I'll make you a day
Like no day has been
Or will be again!
We'll sail the sun
We'll ride on the rain
We'll talk to the trees
And worship the wind!

انا لم ولن اعدك بكل هذا! كنت اتمنى ان تبقى لرغبتك بالبقاء وليس طمعا فيما قد اقدمة! لم اغريك بالبقاء وربما دفعتك لتبتعد! وربما كان هذا قرارك وانا امتثلت له لفقدان الرغبة في المعافرة.. فقد مللت المعافرة لاحيا كما احب او اريد !  معافرة الايام كانت تكفينى فلم استطع ان افعل اكثر!لم ارد ان افعل بالاساس.

Then if you go i'll understand 
Leave me just enough love
To fill up my hand....

هذا ما كان يحثنى عقلى الواعى على الحرص علية!بالظبط كما نصب قلقنا قبل المجاعه في جمع اكبر قدر ممكن من.. الغذاء، رغم علمنا بكونه لن يكفى مهما كثر!وانه سيخسر معظمة في المعظم! ولكنها ربما بقايا مشاعر البقاء!

 لم اناقشك او الوم الايام لاحثك على البقاء، لكن كان يهمنى ان يبقي لدى ولديك كل ما يكفى لان نعيش لايام اخرى! نعيش سعداء او ربما حزانى لا يهم ! الاهم ان نعيش ولنرى ما سيخبئه لنا القدر..

If you go away
As I know you must!
There'll be nothing left
In the world to trust!
Just an empty room
Full of empty space
Like the empty look
I see on your face
And I'd have been the shadow of your dawn
If I thought it might have kept me by your side

اعلم يا فرانك..انها صفعة الواقع ولكن كالعادة،  لم يكن بالإمكان تغيير ما كان..

بعد ان رحلنا بايام؛ وهذا ما لم تعرفه ابدا، وجدتنى دون إرادة منى انفذ مشهد كلاسيكى مكرر بالسينما لطالما اعتقدته مبتذلا...حيث صرت هائمة على وجهى بلا وعى غارقة في افكارى,  واذا بى قد عاد لى الوعى وانا بمكان اخر لا اعلم حقا ان انتقلت له سيرا اوعن طريق احدى وسائل النقل، وبالتأكيد لا اعلم ان دفعت تعريفه الركوب ام لا!

 بعد رحيلنا بشهور ازدادت المرارة ولم تقل كما اخبرونا بافلامهم واغانيهم الساذجه، كادت المشاهد المكررة تفجر مقلتاى من سرعة تكرارها، صارت ملامحى اكثر تسطحا فلا ملامح للسعادة او الحزن، انا هنا فقط  بجسدى ولكن عقلى يهيم بمشاهد مضت واعلم يقينا انها لن تعود، لانى لن اسمح لها ان تعود بكل بساطة..

كان هذا قرارى وعلى وحدى تحملة ..

If you go away
If you go away
If you go away
Please don't go, away

يا ريتك مش رايح، يا ريتك تبقي عطول...