الثلاثاء، 6 يناير 2026

ثلاث نساء في درج المرآة

«ترى، أيتها السيّدات الثلاث… من منكنّ ستقود اليوم؟»
ذلك هو السؤال الأوحد الذي يبدأ به نهارها.

تجلس كل صباح أمام المرآة، في طقسٍ يشبه العماد النفسي، محاولةً أن تحدّد أيَّ شخصية سترتديها هذا اليوم. فقد صارت حياتها مقسّمة بين ثلاث نساء، لا رابع لهن. عاشرتهن طويلًا، حفظت ملامحهن، وألِفت أصواتهن، ثم رتّبتهن بعناية في درج تسريحتها، كأنهن وجباتٌ مجمّدة، لا يحتجن إلا دقائق لفكّ ثلجهن قبل الاستعمال.

الأولى: امرأة لبقة، محاورة رشيقة، اجتماعية، تهتم بمظهرها لأجل ذاتها أولًا، بوصفه انعكاسًا لثقتها العميقة وتجربتها الطويلة. لكنها تعرف أيضًا كيف تجعل من أناقتها وسحرها وسيلةً لإيصال رسالة واضحة: «أنا لطيفة المعشر، نعم… لكن احذرني، فأنا امرأة قوية تعرف تمامًا لماذا هي هنا».
هي النموذج الذي وصفه الكُتّاب بالمنفتحة Extrovert؛ تمشي فتتفتّح الأزهار في أثر خطواتها. مرحة، متفائلة، تريد أن تحتضن العالم كله بين ذراعيها.

الثانية: النقيض الكامل للأولى. مترددة حتى في أبسط تفاصيلها: أي نبرة صوت تختار؟ أي حجاب ترتدي؟ وأي كلمة يسمح لها بالخروج من فمها؟ عقلها مزدحم بالأسئلة المؤجّلة، وصمتها الطويل يشي بارتباك داخلي اعتادته، حتى صار صمتًا مربكًا… awkward silence.
تختبئ طويلًا خلف نظارتها الشمسية، كأنها درع يمنحها مسافة آمنة لتأمّل هذا العالم الذي يربك نظامها الداخلي. لا تحاول فهمه، ولا إعادة ترتيبه؛ كل ما ترجوه أن يتّسع اليوم لاحتوائها كعابرٍ خفيف، بلا انتباه زائد. تتمنى أن تصير لونًا حياديًا، لا يثير فضول أحد. فمجرّد نظرة قد تفسّرها هشاشتها كاختراق لمساحتها الخاصة، وحينها تتحوّل تلك النظرة إلى شرارة انهيار وبكاء.
هذه الثانية… هي طفلتي الداخلية، التي أصرت أن تبقى عالقة عند عمرها الصغير، رافضةً النضج، متشبثةً بكل جراح الماضي.

الثالثة: مدمنة مغامرة، عاشقة للتجارب الجديدة، مشتعلة بشغف السفر. أراها دائمًا ببدلة زرقاء أنيقة، تمسك سيجارة بلامبالاة، بينما يرتّب عقلها الحاد تفاصيل الرحلة القادمة.
لا يثنيها شيء عن اقتناص الفرص. ترى العالم خريطةً مترامية الأطراف، خُلقت لتلتهمها بخطوات واثقة. حادّة الطباع، لا تقبل ولا ترضى إلا ما ينسجم مع إيقاع كعب حذائها العالي. كل من في محيطها مجرّد خيار: إن رغبت اقتربت، التهمت بلا تردّد، مضغت التجربة حتى تستخلص نكهتها، ثم لفظت الفتات دون ندم.
أراها كأنثى التنّين؛ تحلّق بجناحين عريضين قويين، لا تكترث إلا لسماءٍ رحبة تخصّها وحدها، ولا ترى في الأفق سوى وجهتها التالية.

ترى… أيّ رجلٍ ذلك الذي قد تجمعه الحياة بامرأةٍ بهذا الخليط المبتكر، الفريد، المتناقض؟ سنرى…

في بعض الأيام، لا تختار. تترك المقود فارغًا، وتجلس في المقعد الخلفي، تراقب الثلاث وهنّ يتشاجرن على الاتجاه.
الأولى تريد أن تصل في الموعد، أن تبتسم، أن تُقنع الجميع أن الأمور بخير.
الثانية تسأل بصوت خافت إن كان الوصول ضروريًا أصلًا، وإن كان الطريق آمنًا، وإن كان يحق لها أن تتعب.
أما الثالثة، فتضغط على البنزين فجأة، بلا إنذار، كأن النجاة في السرعة وحدها.

وفي المنتصف… تضيع هي.

تكتشف متأخرة أن المشكلة لم تكن في تعدد النساء، بل في محاولتها الدائمة أن تُخفي إحداهن. أن تترك الثانية في الظل كي لا تُحرج الأولى، أن تُقيّد الثالثة كي لا تُخيف الآخرين.

لكن الكبت لا يصنع توازنًا،
يصنع انفجارًا مؤجّلًا.

في إحدى الليالي، بعد يومٍ قادته الأولى بامتياز، جلست وحدها، خلعت حذاءها الأنيق، وبكت بكاءً لا يليق بسيدة ناجحة. لم تفهم لماذا. إلى أن سمعت صوت الثانية، لأول مرة يهمس: «أنا هنا… ولن أختفي بعد الآن».

وفي صباحٍ آخر، بعد انهيارٍ كامل، وجدت الثالثة تبتسم في المرآة وتقول: «إما أن نعيش بكل ما نحن عليه، أو لا نعيش».

عندها فقط، فهمت. الحياة لن تطلب منها أن تختار واحدة. الحياة ستطلب منها الشجاعة… أن تعترف بهن جميعًا.

ليست هناك تعليقات: