همسات أم كلثوم تزورني، تؤكد بإصرار أن للصبر حدودًا، بينما أصدق كلماتها بنفاد صبرٍ لا يقلّ إزعاجًا عن الذباب المحيط بي في كل مكان...صبرى بما يخص بالتأكيد قد تجاوز الحدود..
صوت الجموع يشكّل خلفية موسيقية واقعية إلى جانبها، وتطربني خبطات معلقةٍ حديدية بجوانب كوبٍ زجاجي لأحد الجالسين على مقربة مني.
أستمتع بعناصر المشهد، وأحسد المخرج على هذا التكوين البسيط، وأتخيل أن النقّاد لن يجدوا ما يقولونه عنه، بينما أبتسم برضا لكوني جزءًا منه...
أعود من جديد إلى سطور كتابي، بثقة بطلة فيلمٍ تعلم أن ملامحها يجب أن تكون معبّرة، رغم أنه لا حوار لديها لتقوله..فصار لزاما ان تنقلة ملامحها..
لكنني، على عكسها، أملك حوارًا داخليًا لا يهدأ؛ يتسلّل بين الكلمات، ويزاحم المعاني، ويعيد تشكيل المشهد من زاويةٍ لا تراها الكاميرا.
أتساءل، هل يدرك المخرج أن بطلته تفكّر أكثر مما ينبغي؟
أنها لا تكتفي بأن تكون جزءًا من اللقطة، بل تحاول فهمها، تفكيكها، وربما الهروب منها أيضًا؟
أرفع عينيّ قليلًا، أراقب الوجوه من حولي؛ كلٌّ منهم يبدو وكأنه يؤدي دوره بإتقانٍ غريب، بلا بروفات، بلا تعليمات واضحة... ومع ذلك، يسير المشهد بانسجامٍ مدهش.
أبتسم من جديد، لكن هذه المرّة بشيءٍ من الوعي، ربما ليست الفكرة أن نكون ممثلين بارعين، بل أن نصدق لحظتنا إلى الحد الذي لا نحتاج فيه إلى إعادة تصويرها.
أغلق الكتاب بهدوء، كمن ينهي مشهدًا دون تصفيق، وأترك للمقهى، ولأم كلثوم، وللذباب، حقّ الاستمرار بدوني…
فبعض المشاهد، مهما كانت بسيطة، تكتمل فقط حين نغادرها....