الأربعاء، 29 أبريل 2026

نافذة على ضجيجٍ لا يشبهني

تعلمتُ مؤخرًا أن أجلس وحدي… أرتّب أفكاري، وأأنس بصحبتي، في هدوء. لا أفعل في تلك الجلسات ما يشبهني في عالم الأحياء—حيث الأصدقاء أو الأهل—فقط أجلس… بلا حراك، وبلا ملل.
وبينما أمارس خلوتي بنفسي،قليلا ما أمسك هاتفي. لطالما كانت علاقتي به متوترة؛ أنا شخص يكره الإلحاح، وأراه—بتنبيهاته المتتالية—كصديقةً “زنّانة” مرهقة، أحافظ على علاقتي بها من باب الود، لا الحب.
أمسكه لأتابع عالمًا بعيدًا، مليئًا بالضجيج، بينما أحافظ على دفء أطرافي هنا، من وراء زجاجه.
أتعامل معه كنافذة على الصخب، رغم أنني أحنّ دومًا إلى الهدوء والسكون. أبتعد عنه بوعي… كثيرًا، كأنه يحمل فيروسًا لعينًا قد ينتقل إليّ بمجرد اللمس. لعلّ هذا المرض هو "الحياة المليئة بالادّعاء"، أو—بصياغة أخرى—"الحياة التي يتداولها الآخرون"… حياة لا تشبهني، ولا أرغب في أن أتجانس مع وتيرتها.
أتركه بعيدًا عني على مسافة كافيه حين أأنس بصحبة صديقاتي… أو بنفسي، بينما أُحكم قبضتي عليه حين أهمّ بالهروب— الهروب من موقف، من حياة. أهرب معه إلى اللاشيء… وإلى كل شيء.
اهرب من خلاله الى لحظات عشتها واشعر بالحنين لها، الصور المحفوده به تعزز ذاكرتي المصوّرة، فأرسل من خلالة لصديقتي كلماتٍ هشّة:"وحشتيني… ووحشني نركب العربية ونشغّل أغاني بصوت عالٍ سوا."
ثم اسارع بغلقة وكأنى أغلق معه العالم قليلًا…فأزور تلك اللحظة بكل جمالها وحنوّها. أتمهّل داخلها، كأنني أخشى أن أفزعها إن اقتربت، أعيد ترتيب تفاصيلها في ذاكرتى بمحبة:
ضحكة انفلتت دون حساب، هواء كان أخفّ مما هو عليه الآن، وأغانٍ لم تكن تحتاج إلى كل هذا الحنين كي تُسمع.
أفتح عينيّ من جديد… فلا أجد إلا انعكاسي على شاشةٍ داكنة؛ وجهًا مألوفًا… لا يشبهني تمامًا. أبتسم له بحذر، كمن يطمئن غريبًا، وأترك الهاتف ينزلق قليلًا من بين أصابعي، كأنني أختبر قدرتي على النجاة بدونه.

تمرّ لحظات… قصيرة أو طويلة، لا فرق حين يسود الصمت. أدرك عندها أنني لا أهرب من الضجيج وحدة، بل من تلك النسخة مني..التي تُجيد العيش فيه، تتأقلم معه، وتكاد تصدّق أنه هو الحياة.

أغلق الهاتف هذه المرة… لا كفعل مقاومة، بل كاختيار هادئ.بينما أمنح العالم فرصة أخيرة أن يكون بسيطًا كما كان، قبل أن نتعلّم كيف نبالغ في عرضه، وكيف نصدّق العرض… أكثر من الحقيقة.

الخميس، 23 أبريل 2026

بطلة بلا حوار

أحيانًا كثيرة أشعر أنني أشارك في مشهدٍ سينمائي لمخرجٍ ما... كاليوم، بينما كنت أجلس في مقهى أتصفح كتابًا استعرته من صديقتي؛ أدركت أن استعاراتي له حملتني قلقًا خفيًا من أن أتلف صفحاته بنوبة تركيز،مما قلّل من متعتي به...احاول مؤخرا ان اقلل من امتلاكى لما قد يمتلكنى تباعا..
همسات أم كلثوم تزورني، تؤكد بإصرار أن للصبر حدودًا، بينما أصدق كلماتها بنفاد صبرٍ لا يقلّ إزعاجًا عن الذباب المحيط بي في كل مكان...صبرى بما يخص بالتأكيد قد تجاوز الحدود..
صوت الجموع يشكّل خلفية موسيقية واقعية إلى جانبها، وتطربني خبطات معلقةٍ حديدية بجوانب كوبٍ زجاجي لأحد الجالسين على مقربة مني.
أستمتع بعناصر المشهد، وأحسد المخرج على هذا التكوين البسيط، وأتخيل أن النقّاد لن يجدوا ما يقولونه عنه، بينما أبتسم برضا لكوني جزءًا منه...

أعود من جديد إلى سطور كتابي، بثقة بطلة فيلمٍ تعلم أن ملامحها يجب أن تكون معبّرة، رغم أنه لا حوار لديها لتقوله..فصار لزاما ان تنقلة ملامحها..
لكنني، على عكسها، أملك حوارًا داخليًا لا يهدأ؛ يتسلّل بين الكلمات، ويزاحم المعاني، ويعيد تشكيل المشهد من زاويةٍ لا تراها الكاميرا.
أتساءل، هل يدرك المخرج أن بطلته تفكّر أكثر مما ينبغي؟
أنها لا تكتفي بأن تكون جزءًا من اللقطة، بل تحاول فهمها، تفكيكها، وربما الهروب منها أيضًا؟
أرفع عينيّ قليلًا، أراقب الوجوه من حولي؛ كلٌّ منهم يبدو وكأنه يؤدي دوره بإتقانٍ غريب، بلا بروفات، بلا تعليمات واضحة... ومع ذلك، يسير المشهد بانسجامٍ مدهش.

أبتسم من جديد، لكن هذه المرّة بشيءٍ من الوعي، ربما ليست الفكرة أن نكون ممثلين بارعين، بل أن نصدق لحظتنا إلى الحد الذي لا نحتاج فيه إلى إعادة تصويرها.
أغلق الكتاب بهدوء، كمن ينهي مشهدًا دون تصفيق، وأترك للمقهى، ولأم كلثوم، وللذباب، حقّ الاستمرار بدوني…
فبعض المشاهد، مهما كانت بسيطة، تكتمل فقط حين نغادرها....