الخميس، 8 يناير 2026

الونس الذي لم يكن لي

يبدو أن القصة سوف تستمر في سرد نفسها حتى تنفد الكلمات.

لم يكن اللقاء مخططًا له، ولا مشحونًا بتوقعات كبيرة. جاء كما تأتي الأشياء التي تغيّرنا فعلًا: هادئًا، عاديًا، بلا ادعاء. كان شخصًا لا يشبه من سبقوه، أو هكذا ظنت في البداية. لا يراقبها من بعيد، لا يتابع تفاصيل حياتها، لا يحفظ تواريخها ولا مزاجها المتقلب. ومع ذلك، حين جلس أمامها للمرة الأولى، شعرت أن الصمت بينهما أقل قسوة من المعتاد.

بدأت العلاقة صغيرة. محادثات متقطعة، ضحكات لا تحمل وعودًا، وجلوس طويل بلا حاجة للكلام. كانت تراقب نفسها وهي تسترخي، وهو شعور لم تألفه مع الآخرين. لم تكن مضطرة للشرح أو الدفاع أو التبرير. كان حاضرًا، وهذا وحده بدا كافيًا.
ذلك الحضور سد فجوة مؤلمة، فجوة الونس الذي افتقدته طويلًا ولم تعترف به.

تعلّقت به ببطء، بحذر يشبه الاعتذار. كانت تقول لنفسها إن ما تشعر به ليس حبًا، بل ألفة مؤقتة. ومع ذلك، كانت تنتظر رسائله، وتلاحظ غيابه، وتفرح بتفاصيل صغيرة: كوب قهوة يتأخر لأنه استمع لها، طريق أطول اختاره ليكمل حديثًا لم يرد له أن ينتهي.

لكن الإشارات بدأت تظهر. صغيرة في البداية، كحبات رمل داخل حذاء.
كان لا يرى الأشياء كما تراها. يخفّف مما يوجعها، لا لأنه قاسٍ، بل لأنه لا يفهم العمق. حين تحكي عن خوفها، يقترح حلولًا سريعة. حين تفتح جرحًا قديمًا، يغيّر الموضوع بحسن نية. لم يكن سيئًا، فقط… غير مناسب.

في موقف ما، احتاجته أن يكون حاضرًا أكثر، أن يختارها بوضوح. لم يخذلها، لكنه لم يصل. وقف في المنتصف، ذلك المكان الذي اعتادت أن تُترك فيه.
وفي مرة أخرى، لاحظت أنها تبذل جهدًا لتبسيط نفسها كي لا تبدو “أكثر من اللازم”. كانت تصمت عن أفكارها، تؤجل أسئلتها، وتقلل من عمقها كي لا تربكه. هناك، بالتحديد، فهمت.

جلست ذات مساء تراجع المواقف لا المشاعر. المشاعر كانت جميلة، دافئة، إنسانية. لكنها تعلمت بالطريقة الصعبة أن الجمال لا يكفي.
أدركت أن اختلافه لم يكن ميزة، بل علامة. وأن كونه “غير” لا يعني كونه “الصحيح”.

كانت تظن أن التكرار لعنة، ثم اكتشفت أنه تدريب قاسٍ على الفهم.
العالم، كما خبرته، كريم في إرسال الأشخاص، بخيل في إرسال المعنى. يهبها وجوهًا جديدة، أصواتًا دافئة، أيادي مؤقتة، لكنه يكرر الخطأ ذاته: يؤجل الدرس الذي لا تريد مواجهته. ذلك الدرس الذي يهمس لها كل مرة ثم يعلو صوته: أنتِ وحدكِ كافية.
ربما العالم لم يكن قاسيًا معها ، بل مُصرًّا. يرسل لها أشخاصًا يشبهون الإجابة، لكنهم ليسوها. يضع في طريقها ونسًا مؤقتًا ليكشف لها مدى حاجتها لأن تكون مكتفية بنفسها لا بمن يملأ الفراغ عنها.

لم تتركه بغضب، ولا بعتاب طويل. تركته بفهم.
عرفت أن دوره انتهى عند هذه النقطة: أن يعلّمها أن الونس الحقيقي لا يُستعار، وأن الروح لا تُسكن إلا في ذاتها.

وهكذا، بينما استمرت القصة في سرد نفسها، لم تعد تخاف نفاد الكلمات.
لأنها أخيرًا تعلّمت الدرس الذي كانت تؤجله:
هي وحدها تكفي…
وعليها أن تأتي هذه المرة بروحها فقط.

الثلاثاء، 6 يناير 2026

ثلاث نساء في درج المرآة

«ترى، أيتها السيّدات الثلاث… من منكنّ ستقود اليوم؟»
ذلك هو السؤال الأوحد الذي يبدأ به نهارها.

تجلس كل صباح أمام المرآة، في طقسٍ يشبه العماد النفسي، محاولةً أن تحدّد أيَّ شخصية سترتديها هذا اليوم. فقد صارت حياتها مقسّمة بين ثلاث نساء، لا رابع لهن. عاشرتهن طويلًا، حفظت ملامحهن، وألِفت أصواتهن، ثم رتّبتهن بعناية في درج تسريحتها، كأنهن وجباتٌ مجمّدة، لا يحتجن إلا دقائق لفكّ ثلجهن قبل الاستعمال.

الأولى: امرأة لبقة، محاورة رشيقة، اجتماعية، تهتم بمظهرها لأجل ذاتها أولًا، بوصفه انعكاسًا لثقتها العميقة وتجربتها الطويلة. لكنها تعرف أيضًا كيف تجعل من أناقتها وسحرها وسيلةً لإيصال رسالة واضحة: «أنا لطيفة المعشر، نعم… لكن احذرني، فأنا امرأة قوية تعرف تمامًا لماذا هي هنا».
هي النموذج الذي وصفه الكُتّاب بالمنفتحة Extrovert؛ تمشي فتتفتّح الأزهار في أثر خطواتها. مرحة، متفائلة، تريد أن تحتضن العالم كله بين ذراعيها.

الثانية: النقيض الكامل للأولى. مترددة حتى في أبسط تفاصيلها: أي نبرة صوت تختار؟ أي حجاب ترتدي؟ وأي كلمة يسمح لها بالخروج من فمها؟ عقلها مزدحم بالأسئلة المؤجّلة، وصمتها الطويل يشي بارتباك داخلي اعتادته، حتى صار صمتًا مربكًا… awkward silence.
تختبئ طويلًا خلف نظارتها الشمسية، كأنها درع يمنحها مسافة آمنة لتأمّل هذا العالم الذي يربك نظامها الداخلي. لا تحاول فهمه، ولا إعادة ترتيبه؛ كل ما ترجوه أن يتّسع اليوم لاحتوائها كعابرٍ خفيف، بلا انتباه زائد. تتمنى أن تصير لونًا حياديًا، لا يثير فضول أحد. فمجرّد نظرة قد تفسّرها هشاشتها كاختراق لمساحتها الخاصة، وحينها تتحوّل تلك النظرة إلى شرارة انهيار وبكاء.
هذه الثانية… هي طفلتي الداخلية، التي أصرت أن تبقى عالقة عند عمرها الصغير، رافضةً النضج، متشبثةً بكل جراح الماضي.

الثالثة: مدمنة مغامرة، عاشقة للتجارب الجديدة، مشتعلة بشغف السفر. أراها دائمًا ببدلة زرقاء أنيقة، تمسك سيجارة بلامبالاة، بينما يرتّب عقلها الحاد تفاصيل الرحلة القادمة.
لا يثنيها شيء عن اقتناص الفرص. ترى العالم خريطةً مترامية الأطراف، خُلقت لتلتهمها بخطوات واثقة. حادّة الطباع، لا تقبل ولا ترضى إلا ما ينسجم مع إيقاع كعب حذائها العالي. كل من في محيطها مجرّد خيار: إن رغبت اقتربت، التهمت بلا تردّد، مضغت التجربة حتى تستخلص نكهتها، ثم لفظت الفتات دون ندم.
أراها كأنثى التنّين؛ تحلّق بجناحين عريضين قويين، لا تكترث إلا لسماءٍ رحبة تخصّها وحدها، ولا ترى في الأفق سوى وجهتها التالية.

ترى… أيّ رجلٍ ذلك الذي قد تجمعه الحياة بامرأةٍ بهذا الخليط المبتكر، الفريد، المتناقض؟ سنرى…

في بعض الأيام، لا تختار. تترك المقود فارغًا، وتجلس في المقعد الخلفي، تراقب الثلاث وهنّ يتشاجرن على الاتجاه.
الأولى تريد أن تصل في الموعد، أن تبتسم، أن تُقنع الجميع أن الأمور بخير.
الثانية تسأل بصوت خافت إن كان الوصول ضروريًا أصلًا، وإن كان الطريق آمنًا، وإن كان يحق لها أن تتعب.
أما الثالثة، فتضغط على البنزين فجأة، بلا إنذار، كأن النجاة في السرعة وحدها.

وفي المنتصف… تضيع هي.

تكتشف متأخرة أن المشكلة لم تكن في تعدد النساء، بل في محاولتها الدائمة أن تُخفي إحداهن. أن تترك الثانية في الظل كي لا تُحرج الأولى، أن تُقيّد الثالثة كي لا تُخيف الآخرين.

لكن الكبت لا يصنع توازنًا،
يصنع انفجارًا مؤجّلًا.

في إحدى الليالي، بعد يومٍ قادته الأولى بامتياز، جلست وحدها، خلعت حذاءها الأنيق، وبكت بكاءً لا يليق بسيدة ناجحة. لم تفهم لماذا. إلى أن سمعت صوت الثانية، لأول مرة يهمس: «أنا هنا… ولن أختفي بعد الآن».

وفي صباحٍ آخر، بعد انهيارٍ كامل، وجدت الثالثة تبتسم في المرآة وتقول: «إما أن نعيش بكل ما نحن عليه، أو لا نعيش».

عندها فقط، فهمت. الحياة لن تطلب منها أن تختار واحدة. الحياة ستطلب منها الشجاعة… أن تعترف بهن جميعًا.

الاثنين، 22 ديسمبر 2025

هذا القناع مُعدّ للالتهام

تساءلت، وهي تختلس النظرات بين هاتفها والطريق، إن كان السائق يتحدث إليها أم إلى أحدٍ آخر. ثم قررت ألا تسأله. تركته لخيبة الأمل إن كان يخاطبها بالفعل، وإن كانت هناك سماعة تتدلّى من أذنيه لا تراها… فليكن مؤنسًا بمن يحادثه على الهاتف.
هي لا ترغب في مؤانسة أحد.
هي صامتة، وتودّ أن تظل كذلك.
رنّ هاتفها بمكالمة لا تريد خوضها مع أحدٍ من المقرّبين. للمرة الثانية تحتار بين نداء الواجب ورغبتها العارمة في الصمت.
تجيب، تتحدث ببطء. يطلب منها الطرف الآخر أن ترفع نبرة صوتها، فترد بتهذيبٍ مصطنع أنها تعاني من صداع ولا ترغب في الحديث. يتصنّع التفهّم، بينما تتقبّله هي على أي حال.
الأهم أن تُترك وحيدة هنا، مع موسيقاها الهادئة، ومع الأفكار التي تتناوب على عقلها دون استئذان.
قال لها المعالج النفسي: استسلمي لأفكارك، لا تُسْكِتيها ولا تكبتيها. اصغي لها وحاولي احتواءها. قالها ببساطة، كأنه يطلب منها غسل يديها قبل الطعام وبعده.
طلب منها أن تواجه الوحش… متسلّحة باللا شيء.
ترنّ في أذنها جملة لا تتذكر أين سمعتها:
«ولا صُحبة أحلى من تجلّي الذات ولا حضن أدفى من ونس في النفس".تشعر بالامتنان للكون على ونسة بجملة حانية تربت على ظهرها قليلا....ثم تغوص من جديد في العمق الأزرق القاتم الذى يمتد إلى الما لا نهاية.

تنظر إلى الطريق، وتدرك أنها اقتربت من المنزل.
إذًا، قناع الفتاة المتفهّمة الحنونة على وشك أن يُرتدى.
تتنهد بأسى؛ فهي، بشكلٍ أو بآخر، تسرق لحظاتها مع نفسها.
ثم تتذكر أن الأُنس نعمة… لكنها لا تحتاجه الآن.
الآن لا تريد سوى العزلة، لساعة واحدة فقط، بعدما تحلّت أخيرًا بالشجاعة وقررت أن تنفرد بأفكارها الصاخبة.
في جلسات السيكودراما، أرشدونا إلى أن نعطي لمشاعرنا أشكالًا وألوانًا، وأن هذه الطريقة تُسهّل مصاحبتها ورؤيتها.
لكن مشاعرها غاضبة منها، من طول إهمالها. وتوقن أنه إن حاولت إلباسها أي لون، فستقذفه في وجهها، كطفلة ترفض ارتداء ملابسها، وتصرخ بدلًا من أن تمتّن للون الذي اختارته لها.
يخبرها «جوجل ماب» أن دقائق قليلة وأمتارًا معدودة تفصلها عن وجهتها.
تسحب نفسًا عميقًا، وتتهيأ لارتداء القناع، في مشهد يشبه تحوّل جيم كاري في فيلم The Mask.
تتساءل: ما لون قناعي؟
هل هو أخضر؟ أم ماذا؟
قناعها خامد، مُعلّب، يترك لها حرية الاختيار.
فليكن أرجوانيًا.
أنيقًا، غير صاخب، مُفرحًا، يوحي بالرزانة والجديّة والحنوّ الأمومي المطلوب.

هذا قناع مُعدّ للالتهام.
بالهنا والشفا لمن حولي…
والرحمة لروحي القابعة تحته.

الأحد، 9 نوفمبر 2025

أنينٌ ناعم يسكن العظام

منذ الصغر، كنتُ أتقن إخفاء مشاعري ببراعة. بدا ذلك الحلّ الأمثل كي لا أشعر بالألم، أو هكذا اختار عقلي أن يحميني من مصيدة الحزن. هكذا تخيّل على الأقل.

استنزفتُ خلايا عقلي كلّها في ابتكار أساليب معقّدة لإخفاء ما يؤلمني، حتى لا أراه أنا نفسي، ظننتُ أني إن أنكرته كفايةً، سينفى بعيدًا عني، وسأنساه تباعًا.

لكنّه، كأي شيء يُدفن حيًّا، بدأ ينبض تحت السطح، يظهر في مواضع متفرقة من جسدي، كزومبيّ شرس خرج من القبر لا يريد إلا الانتقام مني. وأول ضحاياه كان قلبي.

لا أعرف كيف أصفه تمامًا، لكنه في مخيلتي يشبه حجرًا من المشاعر السلبية، نُحت بعنايةٍ واختار أن يسكن صدري.
أثقل أنفاسي ولفّني بألمه، حتى اعتدته أنا وجسدي كموسيقى تصويرية حزينة تصاحب مشاهد حياتي.

ومع الوقت، صرت أتعرف بسهولة على من يشبهونني في قدرتهم على الإخفاء. أراهم، أسمع أصواتهم، وأشمّ رائحة مشاعرهم المكبوتةزالتي تتسرّب من كلماتهم رغم محاولاتهم لإخفائها. لكنّ الايجابى كونى بسلاسة أستطيع أن ألتمس لهم العذر.

كنت أتساءل بصمت: متى تحوّل كلّ واحد منهم إلى زومبي مثلي؟ ما اللحظة الفاصلة التي انكسروا فيها؟
لم أسأل أحدًا، لم أحتاج أن أعرف. اكتفيت بأن أكون مأمونة المعشر معهم، أمدّ لهم يدى بالأمان والتفهم حين يحتاجونه،
كما تمنّيت لنفسي دومًا . كل ما أردته هو أن أعيش في أمان حقيقي، يشعرني بأن الوجود لم يعد غريبًا عليّ.

أما أنا، فقصتي بدأت أبكر بكثير من كل هذا. كنت طفلة تضرب الأرض في نوباتٍ غريبة لا أفهمها ولا يفهمها من حولي. غليانٌ في رأسي، واشتعالٌ في جسدي لا سلطان لي عليه. لطالما حاولتُ التخفيف عن نفسي فكنت أمزح مع أصدقائي وأقول:
"أحتاج زارًا يخرج عفاريت عقلي وجسدي،
لعلّي أنام بعده بلا أرق… بلا فزع… بلا خوف من الأمس أو الغد."

وبعد سنواتٍ من التيه، ومحاولاتٍ لربط ما لا يُربط، أدركت الحقيقة التي طالما تهرّبت منها؛ كون كل ألمٍ في جسدي لم يكن سوى صدى لمشاعر خبّأتها بإتقان، حتى وجدت لها مكانًا تسكنه بين أعضائي.

من الخارج، كنت أبدو قوية، الفتاة التي تعرف متى تتماسك ومتى تتخذ القرار الصحيح. لكن في الداخل، كنتُ كلّما أسكتُّ مشاعري بالعقل، فما كان منها الا ان تنتقل تلك المشاعر بهدوءٍ بيروقراطيّ إلى جزءٍ آخر من جسدي، تسكنه وتشعل فيه الحرائق.
فيزداد الألم ألمًا.

قالت الأخصائية النفسية إنني أعيش صراعًا خفيًا بين تماسكٍ ظاهريّ وانهيارٍ صامت. ولأن الجسد لا يسكت عن الإهانة، صارت تزورني نوبات الهلع، وتتقافز في ليلي أفكارٌ مظلمة تسكن أحلامي فلا احظى بسويعات قليلة من نوم عميق.

كثيرًا ما أشعر أنني زومبي بالفعل. أتحرك، أعمل، أضحك، وأؤدي كل شيء كما يجب، لكن لا شيء يصل إليّ من الداخل. لا دفء، لا شعور، لا حياة.
أريد أن أصرخ، أن أبكي، أن أتخلّى عن لقب "القوية" ولو ليومٍ واحد.

أتذكر مشهدًا من مسلسل Friends، حين لم يستطع "تشاندلر" البكاء، وفي النهاية انهار باكيًا على كل ما لم يسمح لنفسه أن يشعر به من قبل. أريد أن أصل إلى تلك اللحظة —أن أبكي حتى أشفى تماماً ـ .

أدعو الله كل يوم أن يمنحني السلام الداخلي، أن يخرج هذه المشاعر العالقة من جسدي، كي أعود أنا… كما كنت، أو كما أريد أن أكون.

لطالما بدأت رحلات علاجي على مضض، دون رغبةٍ حقيقية أو أملٍ معلّق. ففي أول جلسة علاج طبيعي، سألتني الطبيبة: "قيّمي الألم بالأرقام، ومتى يزداد؟". حدّقت فيها عاجزة. لا أملك رقمًا، ولا أتذكر آخر مرة لم أشعر فيها بألمٍ في ظهري أو في لوح كتفي الأيمن. كأن الألم جزءًا من وجودي.

ومع تكرار الجلسات، وجدتني أبكي ذات يومٍ دون سببٍ واضح.
ظنت الطبيبة أنني أتألم أكثر، لكنّي قلت لها دون تفكير: "دي أول مرة من زمان مش حاسة بالألم…هذا غريب."

وكما في العلاج الجسدي، تسألني معالجتي النفسية في نهاية كل جلسة: "إيه أخبار الحجر اللي جوه القلب؟"
وأجيبها دائمًا: "لسه موجود… متشعب ومتأصل كأنه جزء مني."
كانت جلساتنا تشبه عوامل التعرية، تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ كي تنحت حجرة احزانى وتقلّص حجمها. لطالما تمنّيت لو كانت ديناميتًا ينفجر في لحظة فيخلّصني منه للأبد.

لكنّي أحيانًا أشك أنني لم أريده أن يرحل. ربما لأن رحيله سيترك فراغًا لا أعرف كيف أملؤه، فراغًا أخاف أن يبتلعني.

ربما هناك عملية لإزالة الألم، لكنّي أعلم أن الجرح أعمق من أن يُستأصل بمشرط. إنه جرح الروح. وأنا ما زلت أتعلم كيف أضع عليه يدي بلطف،وأقول له أخيرًا:
"أنا أراك… ولم أعد أخافك.
هل يمكن أن نصبح أصدقاء؟
سامحني على طول مدة التجاهل،
وعلى كل استغاثةٍ لم أُجبها في الوقت المناسب..ساحبك وساتفهمك..فقط كن رحيماً بي."

الاثنين، 20 أكتوبر 2025

كثيرة… كما خلقتني الحياة

أعلم أنني كثيرة.
كثيرةُ الأفكار، كثيرةُ الأحلام،
وكثيرةُ الأوهام أيضًا.

أتخبّط حينًا، وأتفلسف حينًا آخر،
ثم أنهض من بين فوضاي كمن وُلد لتوّه —
مؤمنةً بأن السقوط ليس نهاية الإيقاع،
بل جزءٌ منه.

عرفتني منذ الأزل،
ومللتُ محاولة شرح ما هو واضح.
فما عدتُ أبرّر اختلافاتي، ولا أستجدي فهمًا ناقصًا.
وعدتنى كذلك أن لا أعتذر عن امتلائي.

أنا لست ضبابًا يحتاج إلى ترتيب،
بل عاصفة من نورٍ تبحث عن شكلها الخاص.

كوني كثيرة ليس خطأً،
بل دليلاً على أن فيَّ اتساعًا للحياة.

ويظلّ القرار — كما هو دائمًا — لمن يقترب:
إمّا أن يختار الغوص في هذا الزخم المدهش
ويتعلّم لغتها،
أو يتمسّك بحدوده الآمنة متمثلة بنزوات مرتّبة بعناية،
كما يفعل من يهوى النظام الزائد
والوضوح المبالغ فيه،
ظنًّا منه أن الترتيب يمنح الطمأنينة،
بينما هو في الحقيقة يخنق المعنى.

أنا لا أقارن،
ولا أطلب أن يُقارَن بي أحد.
كلّ ما أريده أن يُترك التفاعل يجري كما خُلِق:
طبيعيًّا، صادقًا، حرًّا.

فلا تحاول أن تُقوِّم مساره،
ولا أن تُهذّب ما ليس بحاجة إلى تهذيب.
إن فعلت، ستُتعب نفسك، وتُتعب طاقة الحياة بداخلى.

أنا لا أطلب فهمًا كاملاً،
ولا احتواءً يُحيلني إلى نسخةٍ مصقولة من نفسي.

كلّ ما أرجوه أن يُسمح لي أن أكون — كما أنا —
امرأةً كثيرة، حقيقية،
تؤمن أن في الفوضى جمالًا،
وفي الغموض حكمة،
وفي الكثرة... حياة.

الأحد، 5 أكتوبر 2025

غرفتان… وحياة ونصف


عشتُ في غرفتين للنوم طوال حياتي. واحدة احتضنتني ثلاثين عامًا، كانت موطناً لطفولتي وصباي وشهادتي الأولى على ذاتي، والأخرى تقاسمتني منذ سنوات قليلة... لكنها لم تألفني بعد.

غرفتي الحالية لم تكن اختياري الأول، كمعضلة الحب الاول، وهى ليست كذلك! بل كانت نتاج ما يُعرف بـ "أحسن الوحشين". حين خططنا للنقل صممتها بعناية، رسمتها بروحي، وسلّمت تفاصيلها لنجّار خان الحلم والأمانة، فوعد ولم يُوف، واحترف الكذب والنصب لأول مرة على حسابي. ولضيق الوقت، ولأسباب أخرى، اضطررتُ لاختيار ما هو جاهز، لا ما يُشبهني.
ومنذ لحظة دخولها، شعرت أنني في موعدٍ مُدبّر، تقاسمتُ معها ابتسامات خجلى، ومراوغات صامتة. لا خلافات بيننا، لكن لا أحاديث دافئة أيضاً. مساحة صافية، حيادية، كأنني بنيتها لأحتمي بها من الذكرى، لا لأصنع معها واحدة.

أما غرفتي الأولى، فقد كانت أنا. مليئة بي. مرّت بتحولات كثيرة، كنت أنا فيها المهندسة، والمُصمّمة، والمُرتبكة.
عرفتها كما يعرف القلب خفقاته، وتعلّمت أن أستحضر تفاصيلها بدقة لتمرين أوصتني به طبيبتي النفسية حين داهمتني نوبات الهلع: "اختاري خمسة أشياء حولك، ركّزي بها، لاحظيها بعينيك، بيديك، بأنفاسك." وهكذا، دون إصرار منى صارت غرفتي الأولى مرآتي... ومأمني.

شباك صغير يطل على منور، كانت الشمس تتسلل من خلاله كأنها تعرف طريقها إليّ. ذات يوم، في لحظة انتصار داخلي وتمرد، استبدلتُ ستارتها القديمة بستارة شيفون برتقالية. كانت تموّج الضوء كل صباح في عينيّ كأنها تحييّني برقصاتها المنتعشة.

بجانب السرير، كرسيّان عريضان، انفصلا عن كنبة تسكن غرفة أمي، بينما قررت ان يسكنا غرفتي دون اعتراض. لم يُظهر أيٌّ منهما حنينًا لقطيعه الأصلي، بل احتضناني، بتفهّم غريب.
كنت أكوّم علي أحدهما ثيابي المتأخرة عن الترتيب، لكنه ظلّ صبورًا، لا يتذمّر، كأننا اتفقنا منذ البداية على توزيع الأدوار بالتراضى.

سريري الأول لم يُشترَ من أجلي، بل كان سرير زواج والديّ، وقد قُصَّ ليُناسب غرفتي الصغيرة، سرير يخصنى بعرض 110 سم صار عالمي الخاص. كنت في بداية المراهقة، واعتبرته وسامًا صامتًا من أهلي: "أنتِ الآن أنثى، وهذا لكِ وحدك."

كان له ظهرٌ من أعمدة خشبية متراصة، تشبه برامق الشرفات. كانت أمي تكرهها، تراها شبيهة بشباك سجن. أما أنا، فكنت أراها شبيهة بسيدات مكتنزات واثقات، فخورات بأجسادهن. أحببته لأنه يشبهني، أو ربما أحببته لأنه ظهر بلمحة سريعة في مسلسل "أرابيسك" اول هعدى بحب الخشب وتفاصيلة، وعلية عشقته ككنز اثرى يسكن غرفتى.

لكن، ككل ما هو جميل... تداعى.

كبرتُ، تضخّمت وتكاثرت تفاصيل أشيائي، وتطلبت دولابًا مستقلاً. فما كان من أمي، بحسها العملي وحنكتها إلا ان تبدع في رسم لوحتها المعمارية الاقرب لقلبي، مباشرة في الجدار المقابل للشباك:
دولابٌ يلتصق به ثلاثة رفوف كتب بطول الحائط، وتحتها، يرقد سريري الجديد بسلام، يرقد في ظلّ المكتبة التي حلمت بها طويلًا. 
في مكتبتى ، رتبتُ هدايا أعيادي، وكتبًا اقتنيتُها من مصروفى من فاعليات "القراءة للجميع"،فصارت مكتظه بلحظات سعيده وانتصارات تخصنى.

في مقابلة السرير، تحت الشباك ولكن ليس مباشرة ، تمركزت ترابيزة بنية دائرية، بدأت رحلتها مع المنزل منذ زواج أمي وأبي، لكنها لم تُستخدم أبدًا في تناول الطعام. كانت كمن وُلد لغرض آخر لم يُكتب له أن يُمارَس، لكنها وجدت وظيفتها الحقيقية معي… صارت صديقتي في المذاكرة، طاولة لحروفي وأحلامي.

أسفل الشباك مباشرة، ترابيزة مستطيلة بمفرش بلاستيكى من المربعات الصغيرة، دوما ما سكنتها كتب دراساتي. كانت ركني السام، لأنها تجمّع الغبار، وأنا مصابة بحساسية منه. كنت أتعامل معها كما يتعامل الجراح مع المريض الصعب، بقفازات، بحذر، بغسيل مبالغ ليداى فور معانقتها. وكأننى أستعيد ملكيتي لنفسي.

لم أكن كصديقاتي المراهقات أعلّق صور الممثلين والمغنين، لم أُحب أحدًا منهم كفاية لأستضيفه على جداري. لكنني ذات يوم، بعد تأمّلات كثيرة، قررت أن أعلّق صورة "لوريل وهاردي"، تلك الصورة التي سكنت شقة "جوي وتشاندلر" بطلا مسلسلى المفضل "Friends". طبعتها على فينيل متين، وعلقتها بفخر فوق سريرى… كان قرارى بما يخصها واضحا، فهى رفيقة ثابتة.
على عكس الصور الأخرى، اللائى علقتهم على السطح الجانبى من الدولاب، كانت لفنانات أحببت أنوثتهن: سامية جمال، هند رستم، مارلين مونرو… طبعتهن على ورق عادي. كأنني أعلم في داخلي أن رأيي بهن قد يتبدّل، عكس لوريل وهاردي، رفاقي الأبديين في التهكم والدفء.

في تلك الغرفة، بكيتُ وضحكتُ، حلمتُ وانهرت.
ومن تحت شباكها، خضت أول مكالماتي العاطفية، كنتُ أحدّق في القمر وأرتب كلماتي، في محاولة لأبدو أكبر مما أنا عليه… أو أصغر مما أتظاهر.

كل تفصيلة في تلك الغرفة كانت تُشبهني، وكل زاوية حملت توقيعي الداخلي. وحين خرجت منها، أيقنت أن بعض الغرف لا تُفارقنا، بل تسكن داخلنا. نلوذ بها حين تضيق الأرض، ونستعيدها حين تضيع ملامحنا.

الأحد، 14 سبتمبر 2025

السيناريو الأسوأ

أفكارٌ هدّامة تتناوب على رأسي بلا هوادة. لم يَعُد ذهني يكتفي بتوقّع أسوأ السيناريوهات كما كان يفعل من قبل، بل تطوّر – أو بالأحرى تدهور – حتى صار يبتكر طرقًا لتحويل كل موقفٍ حاضر إلى ما هو أتعس وأشد قسوة.
كأن عقلي تحوّل إلى مهندسٍ بارع في الخراب، يتطوّع باقتراح الشرور وصياغة الحِيَل، يمدّني بسبلٍ دقيقة تجعل الأسوأ أكثر سوادًا، وكأن في داخلي من يتلذّذ بتعميق الجُرح وإحكام فوضاه.

أحاول أن أقاوم هذا الانحدار، أُحاور نفسي كما لو كنت أواجه خصمًا ماكرًا يعرف كل نقاط ضعفي. أذكّرها بأن الشر فكرة، وأن الفكرة يمكن أن تتبدّد إذا لم أتعلّق بها. لكنّ الأصوات تهمس بإغواءٍ خفيّ: وماذا لو جرّبت؟ ماذا لو دفعت الأمور قليلًا نحو الحافة؟

أدرك أنّها ليست رغبة حقيقية في الخراب، بل عطشٌ مموَّه للسيطرة؛ كأنني أريد أن أسبق القدر فأُفسد المشهد بيدي، لأثبت أنّ النهايات السوداء من صُنع إرادتي لا من قسوة العالم.

أتنفس ببطء، أُمسك بالقلم، أكتب كل ما يخطر، لعل الحروف تحوّل العاصفة إلى سطورٍ قابلة للاحتواء. وفي لحظاتٍ نادرة، أشعر أنّ الضوء الخافت الذي يتسرّب من نافذة صغيرة في قلبي ما زال قادرًا على فضح هذا الظلام… يذكّرني أن الخراب، مهما بدا آسرًا، ليس سوى عابرٍ إذا لم أفتح له الباب.

الأربعاء، 10 سبتمبر 2025

نافذة

غرفتي ذات نافذتين تطلّان على منورين منفصلين من بيت جدّي، ذاك البيت العتيق المليء بالمناور. بعد أول دروسي في العمارة ناقشت والدي عن سرّ ولع جدّي بتكرارها، فأوضح لي أنّ للمنور شأنًا كبيرًا في زمنٍ مضى؛ فهو ساحة النساء للنوادر والحكايات، ولغسل الثياب ثم نشرها. ولهذا حرص جدّي، القاطن في الطابق الأرضي، أن يقتطع لنفسه أوسع المساحات من المناور، تاركًا أبناءه في الطوابق العليا يختنقون بشقق صغيرة لا ترى غير مربّعات ضيّقة من السماء.

نافذتي الأولى كانت بابًا للظلمات؛ منها يتسرّب إليّ صرير الفئران وهي تتسلق الجدران، فتترك في جسدي قشعريرة لا تهدأ. وأما الثانية، فكانت بوابتي إلى اللانهاية وما بعدها. تقع في ضلع قصير لمنور مستطيل يمتد طويلًا، فيمنحني زاوية بانورامية تنتهي بسماء واسعة، تتناثر فوقها غيوم خفيفة وزغب حمامٍ صغير يمرح فوق أسطح الجيران.

أول رسائلي الغرامية لا تزال تسكن أرضية ذلك المنور؛ ألقيتها من النافذة متمنية أن يحملها الهواء إلى محبوبي الخرافي، عابرًا المسافات والحواجز وحتى الزمن. كنت أصلّي أن تقع بين يديه في اللحظة المناسبة، وأن أعرف يقينًا حين القاه كونها اللحظة الموعودة. هكذا صادقت نافذتي ذات الستائر البرتقالية، المتطايرة بغنوجة مدللة، تبعث في الغرفة روحًا مرحة لا تزال تهيمن على ذاكرتي حتى اليوم.

وعند حافة تلك النافذة نفسها، كنت أمتلك ما لم يمتلكه جدّي ولا أبي؛ لقد حازا الأرض والمناور، أما أنا فامتلكت السماء. أجلس طويلًا أُناجي الله، أترقّب شهابًا عابرًا يوثّق أن دعائي قد وصل، ويؤكد أن السماء، رغم ضيق المنافذ، أوسع من كل الجدران.


الاثنين، 8 سبتمبر 2025

كيف حالك؟

تعلمت أن أحافظ على صدقي في جوهر ردودي، لكنني أتقنت أيضًا فنّ انتقاء المساحيق اللغوية والوجدانية، أضعها بمهارة على ملامح كلماتي، كلٌّ بحسب السائل عن أحوالي. هكذا أظل صادقة، لكن في ثوب من حذرٍ وشاعرية تتناسب مع تجربتى....

سبتمبر - ٢٠٢٥

الجمعة، 29 أغسطس 2025

حلم..

كان الليل ساكنًا بسكونٍ خادع، حتى انفجر فجأة بنباحٍ هائج؛ كلابٌ جائعة تعوي وتندفع خلفي، بينما قدماي مثبّتتان في الأرض كأن غراءً غامضًا قيدهما إلى العجز. لم أكن أرى المشهد بعيني وحدهما، بل بعين طائرٍ محلّق، كأنني ارتفعت فوق الحدث أراقبه من علٍ، وأنقله في بثّ حيّ إلى وكالات الأنباء. تتقافز في ذهني عناوين صاخبة: "فتاة في ورطة!"، "صراع البقاء يبتلع المدينة!". أيّ جنونٍ يجعلني أصف المأساة كصحفية، بينما أنا الفريسة؟

صوت الكلاب يقترب. أنفاسي تتلاحق حتى تصمّ أذنيّ، وقلبي يدقّ كطبلٍ مجنون، يحبسني داخل اللحظة أكثر وأكثر. أضرب قدمي بيدي لأتأكد أنها لم تُشل تمامًا. الزمن يتباطأ في جسدي، بينما العالم من حولي يركض مسرعًا بيأس. ألتفت بين الفينة والأخرى، أعدّ المسافة بيني وبين أنيابهم، وكل التفاتة تزيد شعوري بالعجز.

حين بدأ اليأس يغمرني، لمعت في رأسي فكرة وحيدة: أن أركض نحو الخطر ذاته. اندفعت فى اتجاههم، فاكتسبت أمتارًا من الجنزير الثقيل الذي كبّلني. قبضت عليه بكل ما تبقّى لي من شجاعة، لففته حول يديّ كأنني -إنديانا جونز- يستعد لمبارزةٍ لا مفر منها. روحي ترتجف، لكن جسدي يتقمّص إصرارًا مخادعًا. الكلاب تقترب… تقترب… وأنا أترقّب اللحظة الفاصلة للمواجهة بينما أتأكد من قبضتى على الجنزير.

 صحوت. العرق يغمر وسادتي، وعطش قاسٍ يعصر حلقي. جلست أحدّق في السقف، أتحسس السرير من تحتي كأنني أحتاج أن أتيقّن من حقيقته. ثم انخرطت في بكاء طويل لا يهدأ؛ بكاءٍ لم يكن من الخوف وحده، بل من إدراكٍ قاسٍ أن الكلاب لم تكن في الحلم فقط.