لم يكن اللقاء مخططًا له، ولا مشحونًا بتوقعات كبيرة. جاء كما تأتي الأشياء التي تغيّرنا فعلًا: هادئًا، عاديًا، بلا ادعاء. كان شخصًا لا يشبه من سبقوه، أو هكذا ظنت في البداية. لا يراقبها من بعيد، لا يتابع تفاصيل حياتها، لا يحفظ تواريخها ولا مزاجها المتقلب. ومع ذلك، حين جلس أمامها للمرة الأولى، شعرت أن الصمت بينهما أقل قسوة من المعتاد.
بدأت العلاقة صغيرة. محادثات متقطعة، ضحكات لا تحمل وعودًا، وجلوس طويل بلا حاجة للكلام. كانت تراقب نفسها وهي تسترخي، وهو شعور لم تألفه مع الآخرين. لم تكن مضطرة للشرح أو الدفاع أو التبرير. كان حاضرًا، وهذا وحده بدا كافيًا.
ذلك الحضور سد فجوة مؤلمة، فجوة الونس الذي افتقدته طويلًا ولم تعترف به.
تعلّقت به ببطء، بحذر يشبه الاعتذار. كانت تقول لنفسها إن ما تشعر به ليس حبًا، بل ألفة مؤقتة. ومع ذلك، كانت تنتظر رسائله، وتلاحظ غيابه، وتفرح بتفاصيل صغيرة: كوب قهوة يتأخر لأنه استمع لها، طريق أطول اختاره ليكمل حديثًا لم يرد له أن ينتهي.
لكن الإشارات بدأت تظهر. صغيرة في البداية، كحبات رمل داخل حذاء.
كان لا يرى الأشياء كما تراها. يخفّف مما يوجعها، لا لأنه قاسٍ، بل لأنه لا يفهم العمق. حين تحكي عن خوفها، يقترح حلولًا سريعة. حين تفتح جرحًا قديمًا، يغيّر الموضوع بحسن نية. لم يكن سيئًا، فقط… غير مناسب.
في موقف ما، احتاجته أن يكون حاضرًا أكثر، أن يختارها بوضوح. لم يخذلها، لكنه لم يصل. وقف في المنتصف، ذلك المكان الذي اعتادت أن تُترك فيه.
وفي مرة أخرى، لاحظت أنها تبذل جهدًا لتبسيط نفسها كي لا تبدو “أكثر من اللازم”. كانت تصمت عن أفكارها، تؤجل أسئلتها، وتقلل من عمقها كي لا تربكه. هناك، بالتحديد، فهمت.
جلست ذات مساء تراجع المواقف لا المشاعر. المشاعر كانت جميلة، دافئة، إنسانية. لكنها تعلمت بالطريقة الصعبة أن الجمال لا يكفي.
أدركت أن اختلافه لم يكن ميزة، بل علامة. وأن كونه “غير” لا يعني كونه “الصحيح”.
كانت تظن أن التكرار لعنة، ثم اكتشفت أنه تدريب قاسٍ على الفهم.
العالم، كما خبرته، كريم في إرسال الأشخاص، بخيل في إرسال المعنى. يهبها وجوهًا جديدة، أصواتًا دافئة، أيادي مؤقتة، لكنه يكرر الخطأ ذاته: يؤجل الدرس الذي لا تريد مواجهته. ذلك الدرس الذي يهمس لها كل مرة ثم يعلو صوته: أنتِ وحدكِ كافية.
ربما العالم لم يكن قاسيًا معها ، بل مُصرًّا. يرسل لها أشخاصًا يشبهون الإجابة، لكنهم ليسوها. يضع في طريقها ونسًا مؤقتًا ليكشف لها مدى حاجتها لأن تكون مكتفية بنفسها لا بمن يملأ الفراغ عنها.
لم تتركه بغضب، ولا بعتاب طويل. تركته بفهم.
عرفت أن دوره انتهى عند هذه النقطة: أن يعلّمها أن الونس الحقيقي لا يُستعار، وأن الروح لا تُسكن إلا في ذاتها.
وهكذا، بينما استمرت القصة في سرد نفسها، لم تعد تخاف نفاد الكلمات.
لأنها أخيرًا تعلّمت الدرس الذي كانت تؤجله:
هي وحدها تكفي…
وعليها أن تأتي هذه المرة بروحها فقط.