الأربعاء، 27 نوفمبر، 2013

طنط..... ام سعديه





كان يوما مرهقا من بوادره الاولى ,
-
استيقظت متأخرة عن العمل واضطررت لإرسال رسالة إلى مديرى أعتذر له عن ذلك برغم علمي أن ذلك لن يقلل من نظراته الثاقبة السخيفة لكونى تأخرت عن الحضور!

-
أعانى من بوادر برد راحت ضحيته كل قواي وأصابنى ببحه في الصوت وإحتقان في الحلق زاد من تأففى العام!

-
أدرك أن أمامى رحلة طويلة بالمترو وأنا غير مؤهلة تماما لهذه الرحلة فى هذه الحالة النفسية النكدة والتى رحت ضحيتها منذ اسبوعين على أقل تقدير, لكني أدرك أيضا كونه آخر الشهر وما تبقى لي من أموال لا يؤمن لي رحلة سوية في عربة أجرة خاصة تنجو بى بعيدا عن هذا الكم من البشر في المترو, المستنزفين لمساحتي البشريه وطاقتى المحدودة أساسا!
كما لا أستطيع  استبعاد مدى سوء حركة المرور الذي سيبب لي مزيدا من التأخير ومزيدا من العصبية كذلك !

لا داعى لااااا داعى...........
....
...
..
.
جلست لقليل من الوقت على حافة السرير أفكر بشيء واحدأن أكافىء  نفسي على عمل لم أقم به بعد وهو (أن أنحشر بين كل تلك الأجساد الرثة في المترو) وعليه قررت أن أتصالح مع تأخيري المسلم به وأن أتمتع بحمام صباحي دافىء حيث أن أخى الوحيد نائم والشقة متسعة لي تماما إعمالا بالمثل الشعبى السعيد (ضربوا الأعور على عينه قال خسرانه خسرانه!)

كانت هذه المكافأة الصغيرة مرضية  جدا لي فملمس الملابس على الجسد المندى أيقونة مرضية جدا لى كما أنني غارقة في حب غسول الجسد الخاص برائحة الخوخ السعيد.

غادرت المنزل مرتلة اذكار ترك المنزل وذهبت دون أدنى خطط ليوم مختلف سوى أنى سأفعل كل ما استطعت لأصل المكتب في أسرع شكل ممكن وبعدها فليكن ما يكون ,نزلت إلى شارعنا الهادىء حيث رحل معظم الناس إلى عملهم وتركت هنا وحيدة سعيدة إلى حد كبير بهذه الوحدة فطاقتى تكفينى على مضض منها  , لا اقوى على رد السلام بصورة لائقة ولا اقوى على الابتسام طيلة الطريق  لجيراننا المطلين من الشبابيك او المغادرين الى عملهم او ما الى ذلك.

..................

كان كل هذا تقليديا ومتوقعا ورتيبا لكونه يوميا جدا لا يحتوي أي اختلاف ملفت, حتى التقت عينانا انا وطنط (ام سعدية) والتي لم أفكر يوما ان اسأل عن اسمها الحقيقي فهذا بعرفها إهانة, هى ام سعدية فقط ولا اكثر!

هي أمرأة لا أعلم عنها الكثير سوى كونها في عمر جدتى وربما تفوقها بسنوات قليلة , توفي ابنها هاني في الجيش في عمر الزهور حين كنت انا في العاشرة ,لا زلت اذكر هذا المشهد وكأنه بالأمس حين أطليت من الشباك بخوف وحيرة فقد علت الصيحات وصوت النحيب كان كافيا لإيقاظه هو الغائب عن عالمنا في اغلب الظن ,احضروه الي شارعنا ملفوفا بملائة وقد تحول جسده مرسوم العضلات باسم الملامح  إلى قطع  صغيرة, فقد انفجر به لغم اثناء التدريب في الجيش وما باليد حيلة كانت الكلمة المحددة للحدث ككل !

كان الاجمل بين أبنائها الاربعة ولا أنكر كونه في مرحلة مراهقة متقدمة لدي كان صورة بليغة لفتى الأحلام ذي البسمة الساحرة والجسد المرسوم والروح المرحة , لكنه مات !

تخلصت والدته من مرحلة النحيب سريعا وهذا لكونها جنت  بمعني الكلمة وصارت تحدث طيفه وتبتسم له وتحاوره طويلا فى حضورنا او فى غيابنا !

لم تنسى ام سعدية مع مرور العمر امر هاني فتاها المدلل،وهكذا لم انس السؤال عنها كلما سنحت لي الفرصة, ام سعدية وجدتي هما الوحيدتان اللتان احرص على تقبيل يديهما حتى الأن ولا سبيل لدي لأنسى ذلك ايا ما كان انشغالي او او او!

...........................................

بينما انا اسير مطأطئة الرأس ماقتة على امور كثيرة, يحيط بهالتى شبح الضيق والغم والنكد،التقيت بطنط (ام سعدية!)
تفكرت كثيرا ان كلمه طنط الإفرنجية هذه لا تتوافق مع كلمة(ام سعدية)بما تحتويه من رائحة بنت بلد جدعة أفنت عمرها من اجل اولادها وراح عقلها ضحية حزنها على احدهم ,لكن لا اعرف لم اعتدت على ذلك واحتفظت به !

انحنيت اقبل يدها بإرتشاف صادق فقد فات زمن على لقائنا الأخير, ابتسمت برقي وطبطبت على رأسي وقالت بهدوء وسكينة :
 
رأيتك في الأمس تسيرين حزينة ناظرة الى الارض،كنت في الشرفة ولم أقو على مناداتك فصوتي ضعيف, لكن ظلت عيناي تراقبك حتى خطت قدماك عتبة منزلكم بينما أدعو لك بكشف الهم وسعة الرزق ،اتمنى ان تكونى استيقظتى اليوم اسعد !

- انا مندهشة لكني راضية تماما وصامته تماماااااا!

أردفت,يا ابنتي الحبيبة لا تحزني فانت جميلة البسمة فلا تبخلي على الدنيا ببسمتك,بيقولوا (اضحك للدنيا تضحكلك !)
وانت محظوظة كذلك فلديك من يدعو لك بظهر الغيب مثلي وهذه رحمة كبيرة من الله!


- انا لا زلت مندهشة لكن راضية تماما تماما تماما تماما وهكذا صامتة تماماااا !

قبلت جبيني بيدين مرتعشتين واردفت ,لا اعلم لم أتذكر هاني كلما رأيتك !
اعرف انك أحببته مثلي وقد كان يخبرني دوما كم كان يحب اللعب معك في الشارع وإثارة غضبك بحركات طفولية فتزدادين جمالا وذكاء لتثأري منه كونه اغاظك !

 
تتنهد تنهيدة طويلة ولا تزيد الا بقولها (الله يرحمه ويباركلك بعمرك وجمالك وصحتك واشوفك عروسه يا رب على حياة عينى!)

اقبلها من جديد وابتسم ابتسامة ساذجة لكونها لا تفي بكل ما اشعر به نحوها او نحو الكون ككل من رضا ,انها الطبطبة الالهية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى !

لكن لأنى متأخرة فتركتها لأمضي بعد ان وعدتها بزيارة قريبة بإذن الله نتبادل بها الحديث عن اي شيء تحبه واعرف مسبقا ان الحديث سيتمحور حول هانى فتى احلام الماضى السحيق .

.............................

اذهب في طريقى مستسلمه لرغبتى العارمة ان انظر للسماء و ابتسم واتساءل بهدوء!

*
ترى يا رب هذه رسالتك التى سألتك عنها بالامس حين كنت حزينة وتشككت فى مدى محبتك لي ومع ذلك تتركنى ضحية لإفتراس كل هذا الضيق والهم رغم إستعانتى بك!
*بالامس سالتك ان تخفف عنى وتشككت بحبك لى واليوم ترسل لى طنط ام سعدية مرسالا عنك, حيث انزلت عليها رحمتك بتنسيق كلمات محددة تسوقها الي رغم جنونها المعهود!
*ترى اتحبنى لتلك الدرجه حقا ام ان كل هذا إستدراج عقلى منى وما الامر الا مجرد صدفه ! ربما كل هذا مدرج تحت الحقيقة العلمية التى تقول ان الكون يطبطب علي إستحياء احيانا
يا رب حتى لا اطيل عليك ......
 
اعلم ان هذا جنون وربما سذاجة وربما الاقرب ان يكون طمعا كبيرا ,لكنى متشككة الى ابعد حد و انت اعلم بهذا بالتأكيد فأنت من ركبت تلك الخلطة الجهنمية المسماه انا ,لكن انا لا زلت بإنتظار علامة اخرى تؤكد لى ان طنط ام سعدية كانت علامة بالاساس!

ابتسم من جديد وانطلق بيوم اخرعارى تماما عن اى خطط  تجعله يوما مختلفا سوى انى سافعل كل ما استطعت لاصل المكتب باسرع شكل ممكن وبعدها فليكن ما يكون !لكن  هذه المره برضا تام عن كونى مررت بهذا اليوم وان كان عارى تماما عن اى خطط تجعله مختلف ,فقد حافظ على كونه مختلف لمجرد ملاقاتى لطنط ام سعديه بهذا الصباح الحانى 

 :)
http://elwatannews.com/news/details/392030
لينك المقاله فى جريدة الوطن :)

الأربعاء، 6 نوفمبر، 2013

الاختيار



الاختيار ,
بدايه عهدى بهذا المسمى او هذا التعريف كان بفيلم ليوسف شاهين تظهر فيه سعاد حسنى فى اول لقطه منه بمشهد مثير ايما إثاره بفستان يكشف عن نهديها , لم افهم مرجعيه المخرج العبقرى ليختار هذا المشهد باولى اختيارات فيلمه الذى يتحدث عن الاختيار فيزيد من إرتباك المشاهد ولا يسهل عليه الاختيار ابدا.


بالنسبه لى كان الاختيار سهل لانه لم يكن متروك لى بل لوالدتى فلطالما احتل (الريموت) يدها لكونها سيده المنزل ,فتتخلى عن هذا الفيلم ان صادفنا كاختيار على احدى القنوات التليفزيونيه ,

تتخذ اختيارها هذا بحركتها البسيطه تلك لتغيير المحطه على اخرى اقل إغوائا من وجهه نظرها , وبهذا تحفز وتبجل اختياراتها الاموميه للمحافظه على عقليه اطفالها من النبوغ قبل (الاوان)!

كانت دوما كلمات ابى واضحه و صارمه (هى حره! هى الوحيده المتحمله لنتيجه اختيارتها!)

اتذكر اولى قراراتى حين كنت صغيره اختار حذاء للعيد بسنواتى الاولى ,إخترته ككل الاطفال بمرجعيه خاطئه نظرا لخضوعى للعبه الذهنيه التى يلعبها البائعين على عقل الاطفال, بأن يرفق الحذاء بلعبه بسيطه لا يتجاوز ثمنها الجنيهات بينما هى كفيله لإغواء الاطفال لمجرد كونها هديه غير مدفوعه الثمن ,

اتذكر كلمات ابى حينها عندما وجهنى إلى قرب وقوعى بتلك الهوه وقال: (لا تختارى الحذاء لمدى جمال اللعبه المرفقه فلن ترتديها بقدمك اثناء اللعب والجرى وتبديل العجل, إختارى الحذاء المريح الذى سيعينك على اللعب وايا ما كان اختيارك فستلحقه لعبه ما , فهذا قانون عام بالمحل !)

اتذكر حينها ايضا لكونى طفله عنيده رأيت أن إختيارى لحذاء اخر غير إختيارى الاول وكأنى اعترف لابى انى كنت بالتفاهه حيث إنسقت للعبه  البائع الذهنيه, فقررت بحماقه ان اتمسك بإختيارى رغم ان الحذاء لم يكن مريحا البته.


اتذكر نظرات ابى الهادئه وهو يقول (انتى حره انت التى سترتدينه و ليس نحن !)
وكانه يخبرنى بهدوء ورويه انى الوحيده المجبره على تحمل نتيجه إختياراتى وليس ايا ما كان حتى اقرب الناس لي لن تتحمل عنى , كانت كلماته تلك كفيله لان تطيح بعقلى حد الجنون وتتركنى شارده طيله طريق العوده .

ليس من الاضافه ان اخبركم ان هذا العيد كان اسؤ عيد قد يمر على كطفله مشاغبه اراهن كل اولاد الشارع بكل العاب الحركه كالنحله والكره وصيادين السمك ,فقد كان الحذاء مؤلم جدا لقدمى ولم يعيننى على اللعب ,واصر ابى على عدم إرتدائى لاخر ليتم درس الاختيار لدى ويتركنى بصمت اتحمل نتيجه إختياراتى !!


بعد ادراكى لما الحقته بنفسى من نصيب الاسد من البؤس ,كانت طامتى الكبرى فى ذهدى من تلك اللعبه المصاحبه للحذاء بعد قليل جداااا من الوقت, وسألت نفسى بيأس ماذا كسبت الان ! ها انا قد اضعت احلى ايام العيد ولم العب او اخرج لان قدمى تؤلمنى وحتى لم اتسلى باللعب بتلك اللعبه المصاحبه للحذاء ,وحينها ايقنت ان ابى كان على حق تماما ان العله بالإختيار وليس بالمزايا اللحظيه التى يحققها الإختيار .




كانت دوما كلمات ابى واضحه و صارمه (هى حره! هى الوحيده المتحمله لنتيجه اختيارتها!)

لا انكر انى بمرحله ما واعتقد إنها بمرحله مراهقتى ,حيث تترتب افكارنا فجاه وكأن العالم كله يضطهدنا واننا مراقبين من جهه عليا تداعب اقدارنا هذلا , اضطر عقلى حينها كأليه دفاع ان يصب الجحيم على امى وابى حيث اقنعت نفسى ان العله ليست بى ولكن بهم, فهم غير اهل لتربيتى حيث يتركون لى كل تلك الاختيارات الصعبه ويتركونى اتحمل نتيجتها دون ان يساعدوننى حتى اخطىء , وكأول بوادر البرانويا بفترات المراهقه البشعه رايتهم يبتسمون لوجعى و المى لكونى اخترت إختيارا خاطئا ما واخر يليه!

لا انكر ان بتلك الفتره كنت اتأمر انا الاخرى على عقلى فى محاوله لإستنذافى لاخر قطره لاختار إختيارات صحيحه , لأثبت لأبى كم انا اهل للإختيار وكأنى اخرج له لسانى دفاعا عن عقليتى القادره على جحيم الاختيار المطالب منى على مدار اليوم!


 مع الوقت ومع تداعى عقلى للتسائل ومحاولات النقاش الغير مثمره تعرضت لمزيد من الاختيارات, ومع الوقت تزداد إختياراتى عمقا وتاثيرها يطول ليلحق بعمرى باكمله , كإختيارى لقسمى العلمى او الادبى واختيارى للصمود حتى اخر رمق بعلمى رياضه رغم ان مجموعى بالسنه الثانيه لا يعيننى كثيرا ! واختيارى لكليه الهندسه وبعدها قسم عماره ثم العمل واختيار الشركات وووووو

كانت دوما كلمات ابى واضحه و صارمه (هى حره! هى الوحيده المتحمله لنتيجه اختيارتها!)

مع الوقت ومع تطور عقليتى تطورت إختياراتى واضحت اكثر تعقيدا وتوابعها (الويل كله فى التوابع صدقونى) توابعها اضحت كفيله لتربكنى لقرون طويله اؤجل خلالها اتخاذ القرار لعدم تأكدى من القدره على تحمل النتائج كامله دون تذمر وبتصالح تام مع قدرى,قدرى الذى خيرت فيه ولم اصير كما قال الله تعالى !

اصابتنى نوبات من القلق الحاد مع كل إختيار اجبر على اتخاذه وصرت اتسائل ببديهيه طفوليه ان كنا حقا (مخيرين )ام( مسيرين )ام (مخيرين مسيرين) كما يجيب البعض بتذاكى و كأنه اجاب على سر الكون الاكبر بينما اجابته لم تعيننى على شىء الا الغوص اعمق واعمق دون هدى!
 ولكن ما الجديد فدوما ما كانت الاجوبه غير مرضيه لعقلى او حتى لمشاعرى الظمئانه للإطمئنان, فالكل يريد ان ينجو بوسام الإجابه باقل الكلمات بينما وان اسهب فاعلم إنه احمق لا يعلم ما يقول فيؤتى بكلمه من المشرق و اخرى من المغرب!
دوما ما كانت الاجابه المنشوده لاى سؤال اساله ,بان تكون طويله وعميقه و موفيه لكل الجوانب,وهذا ما لم احصل عليه يوما !


كانت دوما كلمات ابى واضحه و صارمه (هى حره! هى الوحيده المتحمله لنتيجه اختيارتها!) 

مع الوقت ومع محاولتى لتحليلى للامر نفسيا بقرائه القليل من الكتب النفسيه التى توضح تعقيدات النفس ,حتى أصابتنى إنتكاسه الخوف من اى قرار وإن كان تافها فهذه الكتب اوضحتلى ان اى إختيار وإن كان صغيرا وقد يكون تافها قد يساهم فى تغيير مسار حياتنا بالكامل ,كانت من الامثله التى عرضت بالكتاب الاول الذى قراته بهذا المنوال تقول (هل تعلمى سيدتى ان اختيارك لالوان ملابسك قد تساهم فى اختيار رجل احلامك او قبولك بالعمل او تساعد فى تسهيل حيثيات القبول من الفشل !!)
بعيدا عن كون الصيغه تافهه وضئيله العمق الا انها كانت اهل لتفتح لعقلى بابا جديدا للتوجس, وليس من الاضافه اخباركم انى من يومها صار قرار إختيار ملابسى صباحا مهمه شاقه جدا جدا جدا !!

كانت دوما كلمات ابى واضحه و صارمه (هى حره! هى الوحيده المتحمله لنتيجه اختيارتها!)..................

صار الامر كصوت عقلى يؤنبنى كلما إبتسمت ورسيت على بر إختيارا ما , ياتى صوت ابى رنانا باذنى يقول تلك الجمله بكل ثبات  فارتبك واتسائل ترى هذا هو الاختيار الافضل ,هذا هو الاختيار الذى ساثبت به لابى انى لم اقع بتلك اللعبه الذهنيه الى يلعبها على الكون كله, فقد تعديت ان اخاف من العاب بائع الاحذيه الطفوليه وصار التهديد اقوى و اعمق.
 ملحوظه: لم اشاهد فيلم الإختيار يوما,لطالما اكتفيت بمشهده الأول فلا زال الريموت بيد سيده المنزل التى لا تزال تخاف علينا من النبوغ(قبل الاوان)........ :)

الأحد، 3 نوفمبر، 2013

خلف الأسوار





في الأمس عندما كنت طفلة كانت كلمات أمي محددة وموضوعية  في أولى رحلاتي للعالم الخارجي !

فلتحذري الرجل الثلاثينى  فما فوق! لا ضير أن تتعاملي معه لكن بحذر!, أما من كان دون ذلك سنا فلن يشكل داخل عقلك اي هجوم فلا تخافى منه , فالنساء في أي سن كن سيحبونك كدمية لديهم أو كطفلة يتمنين اقتناءها وسيراعونك في غيابي ,اما الأطفال الصغار وحتي العشرين عامليهم كأصدقاء لطيفين ولكن حاذري على ساندوتشاتك وما شابهها من ممتلكاتك الخاصة, فهم يشاركونك نفس الاهتمامات تقريبا فتعايشي بود تشوبه الحيطة.

عندما استفقت على حالي أكبر قليلا, وانتقلت إلى مدارس أعلى وصار من المسموح لي ان اذهب بمفردي إلى المدرسة, إتسعت دائرة التحذيرات لتشمل النساء التي تكبرني سنا, فقد صرت مطمعا لهن كجسد يغوي الرجال يصلح ان يباع بالبخس, حتى إن ارتكز الامر على  سرقة حلق أذني فهذه خسارة فادحة في قانون أمى ، ومع استمراري في النمو,استمرت والدتي في توسيع دائرة التحذيرات المرا فقة لكل فئة عمرية وتوجه عام أحتك به على مدار يوم,. حتى جاءت الطامة الكبرى ببدء بث برنامج خلف الأسوار وما شابهه من البرامج  تجعلك بكل وعي منك تدرب حالك على نسيان السيناريو الخير, بل  التلذذ وإختبار مدى عبقريتك في خلق السيناريوهات الاسوء.

يوهموننا أنه بتلك الطريقة نحمي أنفسنا بتوقعنا الخطوة الأولى للمجرم ، وفي هذا التوقيت تحديدا كانت رقعة المشتبه بهم وتحذيرات أمي قد توحشت لتقضي على الأخضر واليابس ,وصار من وجهة نظرها ان تلك هي الآلية الوحيدة لحمايتي, بأن تغذي عقليتي من وقت لآخر بسيناريوهات مبتكرة العمق في قانون (ماذا لو!).

 أشرفت بود و تفانى و حب جنونى  فى توسيع دائرة سيناريوهاتى المتوقعة نحو الجميع, الذين صاروا في ليلة وضحاها مشتبها بهم لتكدير صفو حياتى الهانئة .

 كنت اشعر بالشفقه نحوها ,كنت أتفهم تماما مرجعية تصرفاتها تلك, فهى تحبنى و تخاف علي حد الجنون و تريد ان تحمينى قدر الإمكان كما تكره ان تقيدنى لأظل امام عينيها قابلة للمراقبة وتصحيح المسار طيلة الوقت, تريد لى ان انمو لأصبح مؤثرة في مجتمع لا يشبهنى و في نفس الوقت تخاف علي من الإحتكاكات المرهقة لي ,كانت الإزدواجية بين احتياجاتها وواجبها في خلق كائن مؤثر في المجتمع تقلقها ليال طوال على مرأى مني حيث يعز عليها النوم وتفاجئنى بأسألة غريبة في أوقات أغرب عن اشياء اغرب واغرب من منطلق قانون(ماذا لو!) , كانت كل رغبتها ان تتأكد انى جاهزة لخوض تلك الحياة وحدي قدر الإمكان دون ان تقيدنى بخوفها فتكون سببا في ان اموت وحيدة!

حاولت ان تنقل لي توجسها من وقت لأخر, وحاولت بذكاء المرأة الذي اقدره لديها ان تحول الأمر إلى لعبة مسلية نضيع بها الوقت, كنا بين الحين والآخر نتبارى في خلق السيناريو الأكثرإلتواء وسينمائية ,وبهذا ظهرت لعبتنا الأبقى والخاصة بوسائل المواصلات ,لعبة (الحاسة السادسة) ,

كانت تقترح مجموعة من المعطيات لحدث غريب و تسألني ماذا كنت لأفعل لو مررت بموقف كهذا , في البدء كانت القصص بسيطة, على سبيل المثال: أن يستوقفني أحد المارة ليسأل عن مكان ما ,لكن مع الوقت أصابت قصصها نفس عدوى العمق والإلتواء التي تتحفنا بها مذيعة برنامج خلف الأسوار , أخبرتني أمي في يوم ما حين أصابتني نوبة ضيق من اسئلتها المتكررة المستفزة لعقلى بعد ان اصبحت واعية بالقدر الكافي فلم أعد أصدق أنها مجرد لعبة لتقضية الوقت في وسائل المواصلات ، أخبرتني أمى وكأنها ساحرة تفضح لى سر المعبد المهجور,لا زلت اذكر رنة صوتها و هى تخبرنى بصدق تام كافي لإسكات أي عصب متسائل في عقلى ,
قالت:- تلك الحاسه السادسه صفة تختصنا نحن معشر النساء ,طالما انك سيدة فأنت تمتلكينها ,وهي الاستشعار عن بعد او شفافية الشعور بالحدث قبل وقوعه , لكنها مكتسبة وإكتسابك لها ومدى جدارتك بها يأتى من التدريب  فتنمو معك اكثر واكثر ,لكن إن اهملتها فأنت لا تستحقين إمتلاكها ستنزوي عنك و حينها انت الخاسرة الوحيدة.

بهذه الطريقه إستطاعت ان تجذب إنتباهي انا الطفلة ذات العشر سنين , بل تركتنى صامتة اتدرب علي نفس النهج حتي استحق تلك الحاسة السادسة المكتسبة بالتعلم, والتي هي من حقي ان آجلا او عاجلا لكوني إمرأة, لكنى رغم ذلك سأتدرب وأتدرب حتى أستحقها  بجدارة ....

تابعت النمو دون قصد و صارت معطيات العالم من حولى أكثر إرهاقا, وأنا على نفس نهج أمى فى توقع كل السيناريوهات السيئة التى قد يفاجئنى بها الكوكب فى كل خطوة قد أخطوها نحو يوم جديد فيبدأ عقلي في تهدأتى و توقع حل أو مخرج لتلك الأزمة التى توقعتها من الأساس وصار اليوم أثقل من ان يحتمل!.

تفاجأت أمى من رفضى الزواج و خوفي من إنجاب أطفال ولم تتوقع ردي حين أخبرتها أننا ضحيه لنظام ماسونى لم يكفيه ثوره يناير لنتخلص منه بينما دربنا لثلاثين عاما ان الجلوس خلف الاسوارهو الأمان الكامل !.

منذ يومين قرأت أن العالم ينهار وأن كائنات فضائية تعرض أن تحتل الكوكب ,لم قد أهتم فقد إنهار عالمي منذ ان أذيع برنامج خلف الأسوار ومنذ ذلك اليوم تركونى هناك خلف تلك الأسوار الرثة اعانى فوضى الإحتمالات وحدى!!!


لنك المقاله فى جريدة الوطن :)
http://www.elwatannews.com/news/details/385585